الخميس، 18 أبريل 2013

عن نوال السعداوي ..

قلم : رتيبة بودلال
الحديث عن نوال السعداوي في زمن فتوى إرضاع الكبير، يشبه الركض في حقل مزروع بالألغام ، إذ لا يمكن لعلماء فتوى إرضاع الكبير، وزواج المسيار ، وترقيع البكارة أن يسكتوا على أية محاولة لإماطة اللثام عن وجه الحقيقة المغيبة : حقيقة أن ارتداء جلباب أو اعتمار عمامة ليس دائما دليلا على التقوى والورع وأنها في كثير من الأحيان مجرد قشرة تخفي تحتها نفسا خاوية من الإيمان ، ينخرها سوس الغرور الذي يصور لصاحبه أنه قد بلغ من الحصانة الدينية ما ينزهه عن الحساب والعقاب

أولا :هكذا عرفتها :
الحديث عن نوال السعداوي في زمن فتوى إرضاع الكبير، يشبه الركض في حقل مزروع بالألغام ، إذ لا يمكن لعلماء فتوى إرضاع الكبير، وزواج المسيار ، وترقيع البكارة أن يسكتوا على أية محاولة لإماطة اللثام عن وجه الحقيقة المغيبة : حقيقة أن ارتداء جلباب أو اعتمار عمامة ليس دائما دليلا على التقوى والورع وأنها في كثير من الأحيان مجرد قشرة تخفي تحتها نفسا خاوية من الإيمان ، ينخرها سوس الغرور الذي يصور لصاحبه أنه قد بلغ من الحصانة الدينية ما ينزهه عن الحساب والعقاب .
نعم يتشعب الموضوع ويتفرع عندما يتعلق الأمر بالدين أو بالمرأة فما بالك والأمر يتعلق بكليهما؟ امرأة تفهم دينها بما يتيحه لها عقلها وثقافتها وتربيتها على يد رجل دين ، وليس كما تشكله قوالب الفكر الجاهز الجامد المتعصب ، وترفض أن تقوم بدور الدمية التي تتقلب بين أحضان الرجال ، أو الأَمَة التي تدوس عليها أقدام الرجال ، بل تصر على أن تكون إنسانا كامل الكرامة والإحترام .
نعم ترفض نوال السعداوي التبرج ( ولا أقصد السفور ) وتكديس كيلوغرامات المساحيق على وجهها ، والتحول بذلك إلى مجرد رمز جنسي يسيل له لعاب الذكور ، لأنها تعتبر ذلك مُهينا للمرأة التي كرمها الله منذ لحظة ولادتها حتى بلوغها وزواجها من رجل ترضاه ، ثم تربُّعها على عرش الأمومة ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) .
وترفض نوال السعداوي أن تكون مجرد أمة تعمل بكد العبيد في الليل و النهار لتتحول في الفراش إلى جثة ، عفوا ، إلى جسد نابض بالقدرة على الإمتاع و الإشباع ، ترفض ذلك وتتبرّأ من أية امرأة تكتفي بهذا الدور الذي يقزِّمها ويلغي مساحات شاسعة من آدميتها .
ثانيا :هل هي حقا ضد الدين الإسلامي ؟
و إيمانا من الدكتورة نوال السعداوي بآدمية المرأة ونديتها للرجل كإنسان كامل الحقوق والكرامة ، جديرا بالتكليف والحساب ، بالعقاب والثواب ، وحرصا منها على التحرر من قالب الأنثى / الجسد ، أصرّت على الظهور بلا ماكياج ، ولا صبغة شعر ، ولا أية بهارات لأنوثتها ، ولم تخجل من بياض شعرها ولا من تجاعيد وجهها لأنها تدرك أن قيمة الإنسان تكمن في جوهره ودرجة وعيه وإدراكه ، وليس في قشرته الخارجية التي يمكن أن تكون مجرد قناع زائف ، لقد فضلت أن تكون إنسانا وليس مجرد متاع لإنسان آخر يضع نفسه في مرتبة أعلى لمجرد أنه ذكر ، واقتنعت أن المكان الوحيد الذي ينبغي للمرأة أن تكون فيه كاملة الأنوثة هو مخدع الزوجية ، أما ما عدا ذلك من الأماكن فينبغي أن تتصرف فيه المرأة بوقار ورزانة ، وأن تكون إنسانا فقط ، أي أن تكون غير مثيرة ولا مغرية للرجال الآخرين ، ولو تأملنا قليلا لوجدنا أنها تتفق في ذلك تماما مع مقاصد الشريعة الإسلامية من تشريعها للمرأة لباسا يصونها من الظهور بمظهر الغواية والإثارة ، وهنا يفرض علينا السؤال نفسه : ألا يكون مظهر الدكتورة نوال السعداوي الوقور ، البعيد تماما عن الإثارة والإغراء ، أشرف عند الله من مظاهر بعض المتحجبات بملابس تشف وتكشف وتصف أدق تضاريس الأنوثة ، المتمكيجات الكاشفات لغرة شعر مصبوغة ، مكوية ومصففة بطريقة تقطر إغراءا وإثارة ؟
لقد ثارت نوال السعداوي ليس على دين الله وأحكامه العبقرية العادلة الصالحة لكل زمان ومكان ، ولكن على الفهم الخاطىء لهذا الدين ، والتطبيق الأعوج لأحكامه والتأويل المصلحي لتشريعاته ، وعدم الأخذ بجواهر الأمور والإكتفاء بظواهرها التي غالبا ما تناقض الصواب ، لم تثر ضد الحجاب المعنوي الذي يعني حجب أسباب الإثارة الجنسية لجسد المرأة عن عيون الرجال ، لكنها ثارت ضد المرأة التي ترتدي الزي الإسلامي وتتصرف بإباحية أخلاقية وميوعة ورعونة ، لقد قالت الدكتورة نوال السعداوي في تصريح لإحدى صحف بلدها:
( أخلاق المرأة في سلوكها ومشيتها وكلامها وشكلها وليس غطاء شعرها. في بلادنا هناك حاليا مزيج بين الأسلمة والأمركة، أي أن تغطي البنت شعرها وتعري بطنها، فترتدي البنطلون "الجينز" حسب الموضة الأمريكية والسوق الحرة والاستهلاك، وتغطي شعرها ارضاء للإخوان المسلمين. هذا هو نموذج المرأة والفتاة المصرية الآن.
كما قالت : قانون الزواج في بلدنا ليس عادلا. فكيف يسمح أن ينتقل الرجل من فراش امرأة إلى أخرى تحت رخصة التعدد، أو أن يخون امرأته فإذا تم ضبطه مع عشيقته يتزوجها حتى تسقط التهمة لأن من حقه تعدد الزوجات. هل هذه أخلاق؟.. إنه افساد لاخلاق الرجال والازواج ومن هنا فالأسرة في مصر تعيسة. انا أكلمك كطبيبة نفسية. لا تستطيع أن تتصور الزوجات المقهورات بسبب الحرية الجنسية للرجال تحت اسم الشريعة. الرجال يستخدمون رخصة "تعدد الزوجات" لخيانة زوجاتهم. فالرجل وهو في الثمانين يمشي مع امرأة في الثلاثين والعشرين ويترك امرأته وأولاده ولا نستطيع محاكمته.
وقالت نوال السعداوي: عندنا مليونا طفل غير شرعي في مصر بسبب الفساد الاخلاقي للرجال في مجتمعات ماتت ضمائرها. انا ضد الحرية الجنسية للرجال والنساء. "جنس إيه وزفت إيه". كل عقولنا في الجنس. رأيي أن عقل الامة العربية في الجنس لانها محرومة جنسيا، وهذا الفساد الاخلاقي يأتي من الحرمان.

أضافت: أنا "قرفت" من هذا الجو الجنسي فكلنا نتكلم عن الجنس. نحن نعيش في جو وانفلات جنسي للرجال تحت اسم الشريعة والتعدد. إذا قلت لا.. يقولون هل تريدين حرية للنساء؟. مثلا اتهموني بأنني أريد تعدد ازواج.. ما معنى هذا؟.. على العكس أنا احيي النساء اللاتي لا يتزوجن مطلقا. المرأة "زهقانة" من زوج واحد فلماذا تسعى لتعدد الأزواج؟

وأكدت السعداوي أنه لا يوجد انفلات جنسي عند النساء العربيات.. فأين الانفلات وهي مقهورة؟.. إن قيودا من حديد مفروضة عليها. الحرية هي المسؤولية، فعندما تعمل عقد زواج فهذا يعني انك مسؤول وعندما تعمل علاقة جنسية مع امرأة فأنت مسؤول أيضا ولا يجب أن تفر هاربا.

واستطردتْ: نريد ان نعيد الاخلاق الحقيقية للرجل العربي ويكون مسؤولا عن افعاله الجنسية كما هو مسؤول عن جميع افعاله السياسية والاقتصادية )(1)
هذه مجموعة من الآراء التي عبرت عنها الدكتورة في سياق حوار أجري معها وأسئلة صحفية وجهت لها ، وهي كلها تتماشى مع ما يدعو إليه الإسلام من حفظ للفرج وغض للبصر وتعفف وابتعاد عن الزنا ، وإن بدت بعض تعابيرها متطرفة فهذا ليس كفرا ولا إلحادا بل هي مبالغة جائزة في عرفنا اللفظي ، لكنها عندما تصدر عن شخصية مثيرة للجدل نضعها تحت مجهر عملاق ونكبرها بلايين المرات لنستشهد بها عندما نحكم عليها بالتكفير والإلحاد ، ثم إن الكثير ممن لديهم حكما مسبقا عنها لا يجتهدون في فهم كلامها بل إنهم يكتفون بالمعنى السطحي وغالبا بنصف الاية ، مثلا :
( تقول ( أنا أحيي النساء اللاتي لا يتزوجن مطلقا ) لايمكن أن يكون قصدها هو نسف مؤسسة الزواج التي شرعها الله لعباده ، وهي التي تزوجت أكثر من مرة ، بل إن المتمعن لسياق حديثها يفهم أنها كانت ترد على من اتهموها زورا وبهتانا بالدعوة لتعدد الأزواج ، وأنها تقصد أن الزواج بشكله السائد ( وليس بالشكل المفروض شرعا ) وجوده أسوأ من عدمه ، وأن المرأة التي تزهد فيه أحسن من التي تقدم عليه ، وأن التي تتزوج مرة - بهذا الشكل – تصاب بالتخمة ولا يمكن أن تفكر في تعدد الأزواج )
إذن نوال السعداوي لاتهاجم الدين الإسلامي لكنها ثائرة ضد من يتخذونه مطية لإرضاء أهوائهم وتحقيق مآربهم ، ضد من يكتفون بالمعنى الحرفي للكلام دون أن يعقلوه
ثالثا :(فتَبيّنُوا أن تُصيبوا قَومًًا بِجَهالةٍ ) صدق الله العظيم :
ليس من الحكمة ولا من الإنصاف أن نصدق كل ما يروج عن هذه المرأة الحصيفة ، التي لا تخاف في الحق لوما ولا تهديدا ، لأن من يخالفونها الرأي يفتقرون إلى القدرة على مناطحة الحجة بالحجة تدمغها ، على مساجلة الفكرة بالفكرة تفحمها ، لذلك يلجأون إلى التهم الجاهزة ، المُبهَّـرة بمفردات بعينها : الكفر..الإلحاد..الزندقة.. وطبعا ما أسرع ما تستشري النار ، ويُوصَم المتهم بالجريمة قبل حتى أن يُحاكم ، خاصة أننا نحن شعوب البلدان المتخلفة عندنا المتهم مدان حتى لو تبثت براءته ، فمثلا قبل سنوات كانت إحدى زميلات العمل ( أستاذه ) تتحدث بافتخار عن مشاركتها في شتم الدكتورة نوال السعداوي وطردها من الحرم الجامعي ، بعدما جاءت لإلقاء محاضرة ، كانت تصفها بألقاب مهينة وتنعتها بأقبح النعوت ، فسألتها : ( هل قرأت ِ لها شيئا ؟ ) ثارت المرأة في وجهي مستنكرة أن تكون تقبل القراءة لِمُلحدة وكافرة وصاحبة الدعوة لتعدد الأزواج ، ثم همست لي ( هل تعلمين أنها لا تخجل من التصريح أنها ملت من الجنس ...؟) قهقهتْ طويلا قبل أن تضيف بلهجة ماكرة (...طبعا لكثرة ممارسته !!) فأجبتها ( أنصحك بالقراءة لها ..على الأقل حتى تتمكني من مناقشتها في المرة القادمة ) وبعد أشهر حلت نهاية السنة الدراسية فضبطتُ هذه الزميلة متلبسة بجريمة تزوير كشف نقاط أحد تلاميذي ، لأنه قريبها ، وبالضبط زوَّرتْ له نقطة الرياضيات وهي مادة تدريسي لأن معاملها كبير ، نظرت إلى خمارها المتدلي حتى ركبتيها وإلى جواربها السوداء السميكة – وكنا في شهر جوان – ثم قلت لها ( كثـَّر الله من أمثال نوال السعداوي فهي على الأقل لا تزوِّر شيئا ، لا كشوف نقاط التلاميذ ، ولا أفكارها ، ولا لون شعرها ....) فأي المرأتين أقرب إلى الإسلام إذن ؟
و قٌرأت مرة مقالا بعنوان ( نوال السعداوي في مواجهة دين الله ) بقلم أحد خصومها، وكم اندهشت عندما قرأت هذه الفقرة ( وأتمنى من العلمانيين (بفتح العين) أن يفتحوا أعينهم ويعملوا عقولهم في البيئة العربية المحيطة بهم ليعلموا أنه لا مكان لأفكارهم في بيئة تجذر الدين في طبقات أرضها ، واختلط بمائها وهوائها ، ونبت مع نباتها ، واندمج في جيناتها , حتى أننا نرى المخمور في الخمارة يضرب المخمور زميله الذي يهذي بسب الدين ويقول له بعد أن يضربه بالزجاجة فوق رأسه كيف تسب الدين يا عديم الأدب ؟!) (2) كأن كاتب المقال لا يدري أن شرب الخمر من الكبائر ؟ كأنه يعتبر مثل هذا المشهد هو مفخرة لدين الله ، هل هذا هو الإسلام ؟ خمر وهذيان بسب الدين ، مخمور ينهى مخمورا آخر عن سب الدين ، ولا يهم بعدها إن كانا سيترافقان إلى نفس دار البغاء ، للتناوب على نفس المومس ، طبعا هذا هو المجتمع المتدين الذي يشيد به خصوم الدكتورة السعداوي ، وهذا هو المشهد الذي يرعاه هؤلاء ويحرصون على استمراره ، حتى لا تجيء الصحوة ويجرفهم سيلها .
و قرأت مؤخرا في أصوات الشمال مقالا للأستاذ رابح خيدوسي ، فسجلت بعض الملاحظات :
الأولى : عندما تحدث عن أول مرة رأى فيها الدكتورة ، وكيف بدت له في البداية مجرد شخص تائه ، بشعر أشيب أشعث ، يسير في خط مستقيم ، استغربت كثيرا من حكمه على شخص يسير في خط مستقيم بأنه شخص تائه ، وأعجبت بالدكتورة التي تسير على خط مستقيم لأنها تعرف أن أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم ، خاصة أن تلك المساحات لم تُـزرع بعد ، ومع ذلك سماها الأستاذ خيدوسي لاحقا المساحات الخضراء ليبين لنا أن الدكتورة بسيرها على تلك المساحات تكون إما متمردة وإما متشردة .
الثانية : اعتبر الأستاذ خيدوسي أن الدكتورة نوال السعداوي قد نسيت أنوثتها ومتطلباتها الطبيعية والمكتسبة !! لمجرد أنها لم تتعروس على الملأ ، من قال أن الأنوثة هي المرادف الحقيقي للتبرج والتمكيج والإفراط في التزين ؟ الأنوثة كنز ويحق لصاحبة الكنز ذاك أن تحتفظ به لشريكها في مؤسسة الزواج و أن تجعله ملكية خاصة له وليس ملكية عامة ، وأنا أعتبر مظهر الدكتورة نوال السعداوي دليلا على ترفعها عن المنزلة المهينة التي تنزلها الكثير من النساء ، حتى صارت الواحدة منهن تنفق ثروات من أجل عملية شفط أو شد أو نفخ أو تعديل ، بل وأصبحت الأنوثة ديكورا مكملا لمختلف السلع التجارية ، ألا يُروَّج للكثير منها بإلصاق صورة أنثى بشرية على غلافها الخارجي ؟
الثالثة : في قراءته لروايتها ( امرأة في نقطة الصفر ) اعتبر الأستاذ خيدوسي أن نوال السعداوي تدافع عن مومس وتنتصر للرذيلة وتدعو النساء العربيات إلى الانحراف ، ( سيما وأن المرأة العربية تعاني من قلة النضج الفكري ، ولو بلغت في بعض الأحيان درجات علمية أو سياسية كالدكتورة والوزيرة )(3) وصعقني أن يكون الأستاذ خيدوسي قد اكتفى بالفهم السطحي المستعجل لهذه القصة أو الرواية ، وأن يكون قد غفل على حقيقة أن تقديم الدكتورة نوال السعداوي لشخصية فردوس لم يكن للإقتداء ، لكنه كان عملية تشريح لحالة من الواقع ، وتعرية جريئة لمشهد مؤسف موجود بالفعل في الواقع وليس شطحة من خيال الكاتبة ، ما أرادت الكاتبة قوله هو أن : فردوس لم تكن مومسا بالفطرة ، ولم تكن لها نية ذلك منذ البداية وإلاّ لكانت قد انحرفت بمجرد وفاة والديها وتحررها من رقابتهما ، لكنها على العكس انتقلت للعيش في بيت عمها الأزهري ، وتفوقت في الدراسة وكانت لتبلغ مكانة علمية محترمة لولا ظلم زوجة العم التي أرغمتها على الزواج وترك الدراسة ، والتي تبرز هنا كنموذج عن المرأة السلبية التي تحرص على أن تذيق أية امرأة غيرها من نفس كأسها المر ، ولولا سلبية العم الأزهري الذي يجسد نموذج رجل الدين المزيف الذي :
1 – لايختلف عن غيره من الرجال القساة الذين يضربون زوجاتهم .
2 – يوظف الدين لتبرير ضربه لزوجته بلا سبب واضح ، رغم قول الله سبحانه وتعالى في الآية 34 من سورة النساء: ( واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) ورغم قول رسوله الكريم –صلى الله عليه وسلم - : (لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا في آخِرِ الْيَوْمِ )) .
3 – يسكت عن ظلم زوجته و ضغطها على ابنة أخيه لتتزوج من لا ترضاه ، أي أنه وهو رجل دين لم يُصلح زوجته ولم ينهَها عن الظلم .
4 – لم يُحسن كفالة اليتيم ، بل ساهم في دفع ابنة أخيه اليتيمة إلى الإنحراف مرتين : مرة بعدم إحسانه تربيتها ومرة بإرغامها على الزواج ممن رفضته لكبر سنه .
إذن ماذا يُتوقع من فردوس التي بدأت قلعة القيم تتهاوى من حولها لتتركها في الخلاء بلا حماية ؟ وهذا طبعا من وجهة نظر الكاتبة التي توغلت في أعماق فردوس مستعملة كل أدوات علم النفس الذي درسته ودرّسته ، ومارسته ، لتتدرج في وصف التطور السلبي الذي انساقت فيه فردوس ، والحفرة التي هوت في قعرها ، رغم محاولة فردوس تصوير ذلك بأنه تطور إيجابي ، في إصرار لاشعوري لتبرير انحرافها وامتهانها لبيع لحمها الرخيص ، أقول لاشعوريا وأقصد ذلك وأصر عليه ، لأن المخطىء لا يرتكب خطأه وهو يراه خطأ ، بل إنه يفعل في لحظة يكون مقتنعا فيها أن ما يفعله هو الصواب ، عندما يزين له الشيطان الرذيلة ويصبغها بلون الفضيلة ، والدليل على ذلك هو ترديدها المتكرر لجمل تُثني فيها على ما وصلت إليه من استنتاجات واكتشافات ، مثل قولها:
(وأدركت أنني تخلصت من آخر قطرة من القدسية في دمي ، وأصبح عقلي واعيا بالحقيقة ، حقيقة أنني أفضل أن أكون مومسا عن أن أكون قديسة مخدوعة ) (4)
وقولها :( إن حياة المرأة سيئة في جميع الأحوال ، لكن حياة المومس أقل سوءا ، وقد أقنعت نفسي بأنني اخترتها ) (5) وكذلك :
( إلا أن أقل النساء انخداعا هن المومسات ، ومن أجل الزواج والحب تنال المرأة عقابا أشد ) (6)
هذه الأفكار والقناعات لدى فردوس هي نتاج تربية خاطئة وقدوة سيئة ، هي التي تقول :
( أنتمي إلى الطبقة السفلى بمولدي من أب فقير ، فلاح ، لم يقرأ ولم يكتب ، يبيع ابنته العذراء قبل أن تبور ، يسرق زراعة جاره ..ويضرب زوجته كل ليلة حتى تعض الأرض..وصباح كل جمعة يرتدي جلبابا نظيفا ويذهب ليصلي الجمعة في الجامع ).(7)
ما أرادت الكتورة نوال السعداوي قوله هو : أن مظاهر التدين الزائفة ، المناقضة للتصرفات الواقعية للرجال قد انعكست على تربية البنت ، التي تظافرت على تحويلها إلى مومس عدة تجارب وخبرات وعقد نفسية كلها من صنع المجتمع الذكوري الذي تقلّد منصب القوامة باسم الدين لكنه أساء التصرف فكيَّـفه وفق أهوائه ومصالحه الوضيعة المتمثلة في ترويض الأنثى و إخضاعها لقبضته المُحكمة ، ولأن الضغط يولد الانفجار فقد تحولت هذه الأنثى من قطة أليفة إلى لبؤة متوحشة ، وخاصة عندما اكتشفت أن الرجال يركلون القطط الأليفة ويتحولون إلى أرانب في حضرة اللبؤات .
الرابعة : في الفقرة المعنونة ب ( تعليق بالمناسبة ) أورد الأستاذ خيدوسي حادثة وقعت له وعايشها بنفسه ، تؤكد كل كلمة جاءت في رواية االدكتورة نوال السعداوي حتى كدتُ أقسم أن تلك القرية هي بلدة فردوس بطلة الرواية ، وختمها بأنه يتفق مع الدكتورة في أن ( نفاق بعض المتكلمين باسم الدين أشد ضررا من أعداء الملة )(8) مما أوقعني في حيرة ، فالأستاذ أخيرا يوافق ، ولم يدرك منذ البداية أن الدكتورة لم تفعل سوى كشف هؤلاء المنافقين المتاجرين باسم الدين ، الذين يبخلون عن حليلاتهم بأموالهم ومودتهم وولههم بل وحتى بابتساماتهم ليبذلوا كل ذلك بسخاء عند أقدام فردوس ، فما الذي يمنع زوجاتهم إذن من الإقتداء بهذه المرأة التي يسجدون لها ؟ على الأقل لتظفر الواحدة منهم ببعض ما يجود زوجها ؟ ومادامت فردوس ومثيلاتها آلهة يعبدها الرجال فالجار أولى بالشفعة !!
إن قوامة الرجل مسؤولية وإساءة استخدامه لها جريمة ، والضحية في النهاية هي المرأة : لقد حكم على فردوس بالإعدام لأنها تطورت وفق المعادلة :
( الذكر يضرب ويتحكم إذن الجريمة صفة ذكورية + الذكورة إمتياز = للحصول على الإمتياز يجب ارتكاب الجريمة.)
فمن المسؤول عن جريمتها إذن ؟ ألا يحق لنا أن نقول : جعلوها مجرمة ؟ هل الجريمة مسؤولية الشخص الذي ارتكبها أم هي مسؤولية المجتمع الذي تواطأ على تحويل هذا الفرد من إنسان ودود إلى مجرم متوحش ؟ هذه هي الأسئلة التي أرادت الدكتورة إثارتها ، وليس تشجيع النساء على الانحراف والعهر ، خاصة أنها نقلت لنا قصة وقعت وتقع كل يوم وستظل تقع مادام الرجال يركلون القطط الأليفة ويتحولون أرانبا في حضرة اللبؤات ، لقد أرادت القول أن ( العنف وسوء الفهم للدين لا ينتجان سوى الخراب والفساد والجريمة ) (*) و أن ( ازدواج الشخصية الذكورية – القوّامة - بين الظاهر المتدين الوقور والباطن الماجن المعربد هو الذي يجعل المرأة – الخاضعة للقوامة - تمشي مشية الغراب ) (**) وفي المنطق الرياضي توجد قاعدة اسمها : العكس النقيض لاستلزام ملخصها : إذا كان ( الحادث أ) يستلزم ( الحادث ب) فهذا يكافئ منطقيا أن (عكس الحادث ب) يستلزم (عكس الحادث أ) ، فإذا طبقنا هذا المنطق الرياضي على الجملة (*) فإننا نحصل على الجملة المكافئة لها : ( للقضاء على الخراب والفساد علينا بمحاربة العنف و علينا بالفهم الصحيح للدين) وإذا طبَّقناه على الجملة (**) فإننا نحصل على الجملة المكافئة لها التالية : ( لكي لانجعل المرأة تمشي مشية الغراب يجب القضاء على إزدواج الشخصية الذكورية فيُظهر الرجل نفس ما يُبطن ) وإذا كان هذا ما تقوله رواية نوال السعداوي فكيف نتهمها بالترويج لتدمير مؤسسة الزواج و إلى تمرد المرأة على الأخلاق وعلى قدسية الميثاق الغليظ ( الزواج ) ؟ ثم لنتأمل قولها في مقال لها بعنوان ( الله هو الضمير الحي وليس النصوص والطقوس ) تستنكر فيه فساد أخلاق بعض النساء : ( ترفض الواحدة منهن الزواج بشاب من عمرها مجهول فقير، تتصيد رجلا ناجحا ثريا وإن كان فى التسعين من عمره، تتزوجه بعقد عرفى أو دون عقد تحت اسم الحب، تنشد الصعود الاجتماعى والأدبى دون موهبة أو جهد، تستخدم أنوثتها والأدوات تحت يدها، كاميرا التليفزيون، أو صفحة تشرف عليها فى مجلة أو صحيفة، أو برنامج تعده لقناة فضائية، تستخدم كل رجل حسب المبدأ:
حسب حاجتها إليه، فهذا يساعدها للوصول إلى السلطات، وذاك يساعدها للحصول على منصب أعلى، يجدد لها أثاث بيتها، يسدد لها قسطا متأخرا فى ثمن شقتها، أو يشترى لها سيارة، يسدد نفقات طعامها وملابسها وفواتير الأدوية واشتراك النادى، يدعوها إلى المنتجع فى الساحل الشمالى أو الجنوبى، يرسلها إلى مؤتمر محلى أو عالمى، يرشح اسمها لجائزة أدبية أو فنية، يكتب لها رسالة الماجستير أو الدكتوراه، يعلمها اللغة الفرنسية أو الانجليزية أو الألمانية..
سألت بعض هؤلاء النساء: هل هذه أخلاق؟ أجابت واحدة منهن دون حياء:
حضرتك أخلاقية أوى يا دكتورة، هو ده عصرنا، عادى، عادى يا دكتورة ) (9)
هل يصدر مثل هذا الكلام عن امرأة ملحدة كافرة منحلة أخلاقيا ، أم عن امرأة واعية شديدة الغيرة على دين الله وعلى الأخلاق التي قال عنها رسول الله –صلى الله عليه وسلم - : ( الدينُ الخُلُقْ ) ؟ ومالفرق بين ما يحمله عنوان مقالها من معنى وبين معنى قول السيدة خديجة رضي الله عنها في حديثها عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :( كان قرآنا يمشي في الأسواق) ؟
رابعا :ماذا لو ؟
إن التهم والأوصاف التي أطلقت على الدكتورة نوال السعداوي تتناقض تماما مع حقيقة سيرتها الذاتية :
1- فقد تزوجت ثلات مرات ، وهذا ينسف تهمة أنها معقدة من الجنس الآخر أو أنها تدعو إلى الانفلات الجنسي ، بل إنها بهذه الزيجات تكون قد برهنت على إيمانها بالأسرة وبمؤسسة الزواج وأنها امرأة طبيعية سليمة من أية عقدة جنسية .
2 - وأنجبت ولدا وبنتا ، أحسنت تربيتهما ، أما الإبنة فهي الدكتورة منى نوال حلمي وهي كاتبة وشاعرة ، أما الإبن فأنجبته من زواجها الثالث من الدكتور شريف حتاتة ، طبيب ومفكر مرموق وكاتب فذ ، مشهور على المستوى الدولي ، هذا الرجل الذي لا يجد حرجا من الإعتراف أنه ، هو من وضع لافتة باسم زوجته الدكتورة نوال السعداوي ، عنواناً لمنزلهما، وذلك لسبب بسيط يراه ، هو أنها معروفة أكثر منه ، محاولاً من وراء تصرفه هذا القول إن المرأة يمكن أن تكون متقدمة أكثر من الرجل ، كما لا يمانع أن يحمل أولاده اسم أمهم إلى جانب اسمه ، طالما كانت الأم صاحبة الدور الأهم والأبرز في حياة أبنائها ، خاصة أنه لا وجود لأي دليل يمنع هذا الوضع في الاسلام ، مستشهدا بالقصة التالية :(جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك.قال: ثم من؟ قال:أمك.قال: ثم من؟قال: أمك.قال: ثم من؟قال:ثم أباك).
إذن الدكتورة نوال السعداوي تعيش حياة زوجية جد ناجحة مع شريك يقاسمها همومها الفكرية ويتفق معها في آرائها بل ويقدمها على نفسه أحيانا ، فكيف يتهمها البعض أنها معقدة ؟ بل العكس هي تعيش في بيئة أسرية سليمة ، وتنسجم إلى درجة الإتفاق مع زوجها واولادها ، وهذا هو الجو الذي وفَّر لها حرية الفكر والتأمل والتدبر لأحكام الدين الإسلامي الصحيحة غير تلك المزيفة المفصلة حسب الطلب .
إذا كان هناك من يعتقد أن آراء نوال السعداوي غير متزنة وصادرة عن امرأة معقدة وغير طبيعية ، رغم تمتعها بحياة أسرية طبيعية بل ومثالية ، ورغم حرصها على الظهور بمظهر وقور خال من الإثارة والإغراء ، فماذا كان سيقال عنها لو كانت تحمل كيلوغرامات من المساحيق على وجهها وتلون شعرها حسب الموضة وترتدي مثل ما ترتديه صاحبة ( بوس الواوا...أحْ ) ؟ وماذا لو كانت لها بنتا تُنكرها وتتبرَّأ منها علنا ؟ هل كان أحد سيلعنها أم أنها حينئذ ستصبح في نظر كل خصومها نجمة النجوم ومهجة القلوب و.. و... و..... أستغفر الله.
خامسا: نقاط غير مضيئة : يركز خصوم الدكتورة نوال السعداوي في هجومهم عليها ، على القضايا المثيرة لحفيظة المسلم البسيط ، الذي يغار على دينه ويتعصب لأفكاره ويرفض التغيير، بسبب عجزه عن استيعاب الأفكار الجديدة واستكانته لما هو كائن دون محاولة فهم ما يمكن أن يكون ، وتقولبه الإرادي ضمن أنماط جامدة ، رغم أن الإسلام هو دين العقل ودين الفكر لأن الله جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم هي ( القرآن الكريم ) وهو كلام الله الذي يتميز بالإعجاز ، ويحتمل درجات متفاوتة من الفهم تتكيف مع تطور الإنسان لأنه كتاب صالح لكل زمان ومكان ، كما أنه كتاب جامع لكافة الأحكام والتشريعات المتعلقة بكل صغيرة وكبيرة ، والاحتكام إليه هو أفضل طريقة للرد على من نعتقد أنه يهاجم الإسلام ، وليس بالشتم والتكفير والنيل اللفظي ، وتجييش الجماهير ضده ، خاصة أن الدكتورة نوال السعداوي أعلنت أكثر من مرة استعدادها للمناقشة وتقديم الحجج الدامغة ، المؤكدة لصواب آرائها ، فكان الصمت المريب من قِبل خصومها ، هل يفتقد هؤلاء إلى الحجج ؟ إذا كان الجواب ( لا ) فلماذا يفوِّت هؤلاء على أنفسهم وعلى أتباعهم فرصة قص لسان من يعتقدون أنها مرتدة عن دين الله؟
1 – الحجاب : (في سؤال لها عن لبس الحجاب وموقفها منه، وهل هي مع لبس الحجاب او ضده؟؟؟؟ قالت د. نوال أن كل السيدات المحجبات، لا يعني انهن شريفات، وان كل السيدات غير المحجبات لا يعني انهن غير شريفات، إن المرأة المحجبة والتي تغطي شعر رأسها قد تكون متخلفة، وأن عقلها مغلق، كما أن الحجاب لا علاقة له بالأخلاق, أخلاق المرأة بتظهر في عينيها, وفي حديثها, وفي مشيتها، بعض المحجبات، يلبسوا الحجاب، ويمشوا يترقوصوا على كعب عالي، ويحطوا الروج والمكياج بشكل عام، ومنهن من يلبسن بنطلونات الجينز الأمريكية، ويكشفن عن بطونهن، وهناك محجبات حضرن اليها (كما تقول) وقلن لها بانهن يؤيدنها بالكامل، وما يضعنه من حجاب، هو فقط مراعاة للعادات والتقاليد في المجتمع الذي يعشن فيه ) (10 ) فهي ليست ضد من ترتدي الحجاب لكنها ضد أن يتناقض مظهر المتحجبة مع شروط الحجاب الشرعي من جهة ( كتعرية البطن وما أكثره ) ومن جهة مع السلوك والأخلاق ، فهل هذا كفر ؟
2 – الحج : تقول نوال السعداوي : ( نص ( وتقصد نصف ) مناسك الحج مأخوذة من الوثنية… أنا نفسي أعرف بيضربوا إبليس إزاي؟ ونفسي أعرف بيعبدوا الحجر الإسود ليه… الحج ياجماعة عادة وثنية موروثه من عبدة الأصنام!!!) إنها تتساءل بحرقة ، أسئلة يمكن لأي مسلم أن يطرحها عن رجم إبليس وتقبيل الحجر الأسود ، وكان على علماء الإسلام إعطاء الأجوبة المقنعة والشافية بدل السب والشتم ، لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلُكَ ما قبَّلْتُكَ" (متفقٌ عليه). ولم يتهمه أحد بالكفر ، فما كان على خصوم الدكتورة إلاّ إفحامها بالحجة :
لقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، وكان يقول ( خذوا عني مناسككم ) وليس من الحكمة أن نعترض على سنة ٍ حتى لو لم نفقه الحكمة منها ، قد يكون امتحانا من الله لمدى امتثالنا و طاعتنا العمياء له جل وعلا و ليس من العقل أن نفعل مثل إبليس الذي رفض السجود لآدم ، أي رفض أمر الله فاستحق الخلود في الجحيم .
3 – الختان : - وتقول أيضا عن قضية الختان للرجل:
(نفسي أعرف بتختنوا الرجاله ليه؟ وإيه الهدف؟ أنا دكتورة وأقولها بالفم المليان الختان سواء كان للراجل أو للبنت خطر جدا وظاهرة صحية خطيرة تهدد سلامة الفرد في المجتمع) فإذا علمنا أن معظم الناس يِؤجلون عملية الختان سنوات حتى يكبر الولد و ينتبه ، وبالتالي يتشكل لديه حاجز نفسي من هذه العملية مسبقا ، نجد الدكتورة على حق ، أما لو حرصنا جميعا على ختان أطفالنا في اليوم السابع لولادتهم ، كما هو موصى به في السنة النبوية ، فستكون العملية إجراءا وقائيا صحيا ، اعترف بصوابه العلماء وأصبحوا ينصحون به ، ولعل الدكتورة تتحدث بناءا على حالات مرضية تعاملت معها كطبيبة نفسية ، و كان الختان ( في سن كبيرة بالتأكيد ) سببا فيها .
4 – دين الدولة : وعن دين الدولة قالت :( لا يجب أن يكون للدولة أي دين أو مصدر ديني للتشريعات. أما الأفراد فهم الذين لهم دين، وكل فرد حر في اختيار دينه في بيته. جميع القوانين والتشريعات يجب أن تكون مدنية. أنا ضد الدولة الدينية لأنها عنصرية بالطبيعة وتفرق بين المسلمين والأقباط، فعندما يقول الدستور المصري ان دين الدولة هو الإسلام والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فهذا كلام مضاد للحرية والديمقراطية والعبادة، ولهذا السبب نعاني من مشكلة الفتنة الطائفية ، يجب فصل الدين عن الدولة تماما وإلا سنغرق في بحور من الدم) هذه وجهة نظر ، واجتهاد ليس فيه من الكفر شيء ، فالدكتورة ترى أن الفتنة الطائفية تتغذى على المفاضلة بين الأديان داخل الدولة الواحدة ، ومن تمة تعتقد أن عدم تحديد دين الدولة قد يمنح إحساسا بالمساواة بين مختلف الأديان ، فتختنق الفتنة وتموت ، وتطالب بذلك من باب درء المفاسد ، هذا اجتهاد منها فإن أصابت فلها أجرين وإن أخطأت فلها أجر واحد ، وكفى الله المؤمنين شر السب والشتم والتكفير.
سادسا: لكل عالم هفوة :لا تبالي نوال السعداوي بالصدمة التي يمكن أن تتسبب فيها جرأتها للقاريء البسيط ، الذي يعتبر أي تغيير في المفاهيم الدينية كفرا وإلحادا ، لذلك تغرقه دفعة واحدة بأفكار يعجز عن هضمها فيصاب بالتسمم ، ولو ترفّقت قليلا و أعطته تلك الأفكار على جرعات مناسبة لنجحت في كسب ثقة أكبر ،
لقد تجرأت نوال السعداوي في كثير من آرائها بشكل يوحي بالكفر لأول وهلة ، كقولها ( أنا بنت الله ، والناس جميعا هم أبناء الله ) ولا أستطيع أن أفهم من كلامها هذا أنها تقصد البنوة التي نعرفها ، فالله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ، وهي تعلم ذلك وتعيه لكنها تريد أن تتحدى خصومها بكلام مستفز ، مبررة ذلك بأن المسيحيين يقولون أن عيسى ابن الله ولا أحد يحاربهم ، هل هي مشاكسة جريئة من أمرأة تؤمن بحريتها المطلقة أم هو تعبير مجازي عن صفاء علاقتها بالله كرد ٍّ قوي على من يتهمونها بالكفر الصريح ؟ أم كلاهما معا ؟ كما بالغت في الجرأة عندما كتبت مسرحية مستفزة العنوان ( الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة ) و استحضرت الشخصيات الممنوعة من الإستنطاق ، ووظفت كل ذلك بإسقاط عمودي على الحياة البشرية ، هذه المسرحية التي : ( لا تعتمد على بناء درامي أكثر من اعتمادها على حبكة فلسفية تطرح من خلالها المؤلفة جدالاً لا ينتهي حول الدين والسياسة والأخلاق وحقوق المرأة. الجدال يأتي معظم الوقت في صورة تخبط بين أفكار متقابلة ليعبّر عن واقع تدعو الكاتبة إلى إصلاحه حتى وإن كان الثمن اختراق المقدسات وهزّ ثباتها ) ( 11) وطبعا هي بذلك تزيد الطين بلة وتمنح لخصومها المزيد من الأسباب لتأكيد كل التهم القديمة واختراع تهم جديدة لا تهدر دمها فقط بل تجعله تأشيرة مجانية للدخول إلى الجنة ، هل هي شجاعة الفراشة أمام أفواه البراكين ، أم هي حكمة امرأة في الثمانين ؟
سابعا: كلمة لابد منها : ليس من العدل أن نتهم الآخرين لمجرد أنهم يخالفوننا الرأي ، وليس من الرِّدة أن نجتهد في فهم ديننا ونجدد في تأويل وتفسير معجزة قوامها الكلام ومفتاحها العقل هي القرآن الكريم ، وليس من العيب أن نكتشف أننا كنا على خطأ فنتوب عنه ، وليس من الكفر أن نسأل ونتساءل حتى نبلغ اليقين : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) سورة البقرة الآية 260 .
هوامش:
( 1 ) : عن الحوار المتمدن العدد 1849 – 9 / 3 / 2007
( 2 ) : أ.د. نظمي خليل أبو العطا موسى
www.nazme.net
أخبار الخليج – الإسلامي - العدد (10598) الجمعة 11 ربيع الأول 1428هـ - 30 مارس 2007م
( 3 ) و ( 8 ) : مقال ( نوال السعداوي بين الرواية والغواية ) للأستاذ رابح خيدوسي - أصوات الشمال
( 4 ) و ( 5 ) و ( 6 ) و ( 7 ) : رواية ( امرأة في نقطة الصفر ) للدكتورة نوال السعداوي
( 9 ) عن الموقع الرسمي للدكتورة نوال السعداوي والدكتور شريف حتاتة – بقلم الدكتورة – 29 / 9 / 2009
( 10 ) دنيا الرأي : وفاء الكيلاني في مقابلة مع د.نوال السعداوي بقلم:احمد محمود القاسم 11 / 12 /2009
( 11 ) بقلم أهلال محمد – مدونات مكتوب – 2 / 7 / 2008.

الجريمة الكاملة

بقلم : رتيبة بودلال
يقال أنه لا توجد جريمة كاملة ، إذ لابد للمجرم أن يرتكب خطأه القاتل ، الذي يتحول فيما بعد إلى دليل إدانة ، لكن يبدو أن الجريمة الكاملة قد وقعت ، واكتملت فصولها ، وبدأت ثمارها السامة تتفتق عن سموم تفوح ريحها وتمتزج بطعامنا وشرابنا و بالهواء الذي نتنفسه ، جريمة تسمم حياتنا و تحولها إلى كابوس مرعب ، ومادام المجرم الحقيقي زئبقي القوام ينزلق من بين أيدينا كلما حاولنا الظفر به ، فإن الجريمة تظل كاملة إلى أن يثبت العكس .

يقال أنه لا توجد جريمة كاملة ، إذ لابد للمجرم أن يرتكب خطأه القاتل ، الذي يتحول فيما بعد إلى دليل إدانة ، لكن يبدو أن الجريمة الكاملة قد وقعت ، واكتملت فصولها ، وبدأت ثمارها السامة تتفتق عن سموم تفوح ريحها وتمتزج بطعامنا وشرابنا و بالهواء الذي نتنفسه ، جريمة تسمم حياتنا و تحولها إلى كابوس مرعب ، ومادام المجرم الحقيقي زئبقي القوام ينزلق من بين أيدينا كلما حاولنا الظفر به ، فإن الجريمة تظل كاملة إلى أن يثبت العكس .
1 – الزواج هل أصبح فرض كفاية؟
يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية 21 من سورة الروم: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) سبحان الله ، لما كانت مسؤولية الحياة شاقة وصعبة ، اقتضت رحمته سبحانه وتعالى بعباده ألاّ يتركهم فرادى ، بل جعلهم أزواجا – ولم يجعلهم ثلاثيات أو رباعيات – بل أزواجا بالضبط ، أي فردين إثنين لا ثالث لهما ، فردين تربطهما أقوى رابطة إنسانية سماها الله ( الميثاق الغليظ ) ، وهي رابطة مبنية على التكامل والتشارك في كل شيء : في الرزق ، في الأولاد ، في المسكن ، وفي كل شيء وذلك في جو من السكينة والمودة والرحمة ، فمن حق أي إنسان إذن أن يكافح ويجتهد من أجل الحصول على ذلك الشريك وتلك المودة والرحمة ، من حقه أن يقاتل من أجل من يراه مناسبا له ، فبأي حق إذن نحكم على الشباب العازب بالحرمان من كل ذلك ، فنبيح للبعض التعدد بلا ضوابط ونحرم البعض الآخر نهائيا؟
2 – وماذا عن عنوسة الذكور؟
قبل سنوات قرأت في الجرائد عن أيام دراسية انعقدت بجامعة جيجل ، شارك فيها أساتذة جامعيون ورجال دين ، ناقشوا خلالها استفحال مشكلة تأخر سن الزواج عند المرأة وارتفاع عدد الفتيات العازبات فوق سن الثلاثين ، واندهشت لذلك الإقتراح الذي اهتدت إليه زمرة العقلاء والمتمثل في تعديل بسيط في قانون الأسرة ، يبيح للرجل أن ينكح ما طاب له من النساء ، مثنى وثلاث ورباع ، وتساءلت حينها عما إذا كان تأخر سن الزواج مشكلا خاصا بالإناث دون الذكور ، ورحت أتخيل كيفية تطبيق ذلك الحل العجيب : الرجال القادرون ، ذوي الأرصدة الضخمة والجيوب المنتفخة سينكحون من النساء ليس فقط أربعة بل إن الواحد منهم كلما أتمهن أربعا طلق أكبرهن واستخلفها بأخرى ، وهكذا حتى نصل إلى زمن تصبح فيه كل الإناث فوق سن العشرين زوجات أو مطلقات ، المهم أن الواحدة منهن تكون قد نالت نصيبها من نعيم الفحولة وبركات الفياغرا ، لتترك بعد ذلك مكانها لأختها العانس .
وتساءلت : وماذا بعد؟ ماذا بعد أن تتزوج كل الفتيات ؟ سيتكون لنا بالمقابل جيش من الشباب الذي لم يستطع الباءة ، يتفرج الواحد منهم بألم وحسرة على فتاة أحلامه وريحانة أيامه وهي تزف إلى غيره ، ثم تصبح أما لطفل ليس منه ، وربما تحولت بعد ذلك إلى أرملة أو مطلقة أو مومس ، فيفقد المسكين قدرته حتى على الحلم ، ليتحول أخيرا إلى مجنون يجوب الشوارع أو – لم لا ينتحر – فإذا لم ينتحر وامتلأت الشوارع بالمجانين ، حق لهؤلاء العقلاء عقد أيام دراسية جديدة للنظر في الأمر وقد تنتهي باقتراح إقامة محرقة جماعية هائلة ( هولوكوست ) يتم فيها التخلص من هؤلاء الشباب ، ولكن هل سيظل شبابنا ينتظر حتى يحدث كل هذا ؟ إنهم شباب وهذا يعني طاقة متفجرة طافحة من الإبداع والقدرة على العطاء ، إنهم شباب أي : إعصار من القوة والإرادة فإلى أين يمضي هذا الشاب بكل الطاقات التي يطفح بها جسمه وعقله وسائر جوارحه وهو يتفرج على عقلاء المجتمع الذين يفترض أن يجافيهم النوم ويعافون الراحة من أجل إيجاد حلول لمشاكله ، فإذا بهم يولمون الولائم ويقيمون العزائم ويشحذون الهمم ويستنفرون كل قواهم من أجل إيجاد مخرج قانوني يبيح لهم اقتسام الغنيمة ؟ إن الإجابة على هذا السؤال لم تعد بحاجة إلى اجتهاد ، إذ يكفي أن نطالع الجرائد اليومية لنجد أخبار شبابنا وهم ينتحرون على عتبة الألفية الثالثة ، شباب لم يجدوا أمامهم سوى الخيارات القاتلة : إما الحرقة ، التي تنتهي غالبا بالموت أو الفشل ، وإما الخروج عن المجتمع والإلتحاق بالجماعات الإرهابية ، وإما السقوط في مستنقع المخدرات والتأهل بذلك لارتكاب كل أنواع الفواحش والكبائر والجرائم ، كاختطاف القصّر و الاعتداء عليهم جنسيا ، وحتى اختطاف البالغين والنيل منهم جنسيا ، ألم نقرأ في الجرائد قبل أشهر عن اختطاف شاب وخطيبته ثم اغتصاب كليهما ؟ فضلا عن اختطاف أطفال ثم قتلهم من أجل رعشة واحدة مستعجلة ، ألم نتساءل عن هوية المختطِف ؟ ولماذا نتساءل إذا كانت الجرائد تقول في كل مرة أنه شاب في العقد الثالث أو الرابع ؟ إنه بالتأكيد واحد من الشباب الذين تأكد لديهم أن الحياة غابة كبيرة تسكنها الديناصورات والتماسيح والزواحف ، وأنهم في تلك الغابة ليسوا سوى جرذانا ، إذا لم تسحقهم أقدام الديناصورات ، ابتلعتهم الأفاعي أو تخطّفتهم أنياب التماسيح ،هؤلاء الشباب رأوا موتهم بأعينهم فتساوت عندهم الأشياء وتميعت ، تماهت ، وأصبح اللون الأسود يحجب عن عيونهم بوارق الأمل ، فوصلوا إلى درجة من فقدان العقل تجعلهم ممن رفع عنهم القلم حتى يعقلون ؟ بل حتى يعقل ولاة الأمور في بلدنا ، فيدركون أن الشباب طاقة خلاقة إذا استثمرنا فيها غنمنا وإذا حاولنا ردمها أو تجاهلها انفجرت فينا ودمرتنا .
حريٌّ بنا إذن بدل مناقشة مشكلة عنوسة الفتيات ، أن نبحث عن طريقة نوفر بها لشبابنا دخلا ماديا قارا يمكنهم من الإنفاق على أسرهم بعد تزويجهم ، نعم تزويجهم بدل صرف الملايير على الكرنفالات العقيمة والمهرجانات المترفة .
إن تشخيص الداء بدقة هو وحده الكفيل بوصف الترياق الفعال ، ووضع ايدينا على أصل المشكلة هو بداية إيجاد حل لها ، أما معالجة مشكلة العنوسة بإباحة التعدد أو بجعله واجبا – كما طالب البعض – فهو يشبه معالجة حرق من الدرجة الثالثة بإجراء تدليك له داخل حمام ساخن ، نعم : فالواقع يقول أن إهمال الآباء لأولادهم هو أول نتائج إعادة الزواج ، وهذا يعني أن الرجل الذي سيحل مشكلة عنوسة فتاة بزواجه منها سيُنتج لنا بالمقابل قبيلة من الأبناء والبنات الذين سيرفع عنهم القلم بسبب الإهمال الأبوي والحرمان العاطفي والمادي ، والنتيجة هي مضاعفة عدد المجرمين والمجانين والعوانس ، وكفى بالواقع برهانا ودليلا ، إذن حل مشكلة عنوسة الفتيات لن يكون إلاّ بتزويج الشباب ، وتوفير العيش الكريم لهم ولأسرهم .
3 – كلمة حق أريد بها باطل :
إن كثرة العوانس لا يعدو كونه حجة جديدة لاستباحة أجساد الفتيات اللواتي تأخر زواجهن ، والدليل على ذلك هو تلك الابتكارات العجيبة لأشكال الزواج ، من زواج المتعة إلى زواج المسيار ، وما أدراك ما المسيار ؟ زواج لادور فيه للرجل إلا دور الذكورة ، ذلك الذي تستطيعه حتى أحقر خلق الله وأضأل مخلوقاته ( الحيوانات والحشرات ..والكائنات المجهرية ...) كأن الفتاة التي تأخر زواجها قد أصيبت بحمى الجنس إلى الدرجة التى تجعلها تتنازل عن كل صفات الرجولة في قرينها وتكتفي منه بدور العشيق الجبان ، الأمر في نظري ليس أكثر من رغبة في اقتسام ما يعتقده هؤلاء غنيمة ، ولو كان هؤلاء يتحرون مرضاة ربهم لتريثوا كثيرا قبل أن يفرحوا برخصة التعدد ، لأن من أخطر المهالك أن يستسهل المرء ما يوافق هواه ويستصعب ما قد يثقل عليه بالمسؤولية ، وحتى لا يكون كلامي مجرد رأي قد يسفهه البعض ، سأحاول الاحتكام إلى سنة سيد الخلق ، الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم – فقد تزوج السيدة خديجة – رضي الله عنها- وهي التي تكبره بخمس عشرة سنة ، فمن يا ترى من دعاة التعدد يقبل بهذا ؟ بل كلهم لا يقصدون سوى الفتيات الصغيرات ، ولا أحد منهم يقصد المرأة الناضجة الحصيفة .
كما تزوج – صلى الله عليه وسلم – : نُسيبة بنت كعب – رضي الله عنها - وكانت عجوزا وكان أبناؤها رجالا ، تكريما وصيانة لها لأنها أرملة شهيد ، فأين بين رجال هذا الزمان من يقصد في معاودة الزواج ذلك المعنى السامي ، المجرد من شهوة الفرج التي وحدها تحرك دعاة التعدد ؟ أين ذلك الشهم الذي يتزوج أرملة شهيد وأم أيتام لينال أجر كفالة اليتيم وأجر تحصين أرملة الشهيد؟
وتزوج – صلى الله عليه وسلم – : زينب بنت جحش – رضي الله عنها - وكانت زوجة لموليه زيد بن حارثة ، ليبطل عادة التبني ، وفي كل زيجاته – صلى الله عليه وسلم – كانت هناك حكمة وغاية فقهية أراد أن يعلمنها بطريقة عملية لتكون سنة لنا بعده ، ولم يتزوج بكرا إلاّ مرة واحدة ، عندما تزوج من السيدة عائشة – رضي الله عنها – وحتى هذا الزواج فيه حكمة جليلة ، فقد جاء بعد وفاة خديجة رضي الله عنها ، ووفاة عمه أبو طالب في عام الحزن ، فأهداه الله فرحة الزواج من بكر ، لعل ذلك يخفف عنه ويعينه على مشقة الرسالة العظيمة التي كلفه الله بها ، أما رجال هذا الزمان فلن يختاروا إلا أبكارا ، غريرات ، وهذا يجعلنا نتساءل : إذا صدر قانون يبيح التعدد ، هل سنقضي على مشكلة العنوسة ؟ أم أن أي رجل سيختار الصغيرة البضة الطرية الطائشة ، ويترك العانس التي من أجلها وُجد قانون التعدد؟ فليتق دعاة إباحة التعدد ربهم وليحاسبوا دواخلهم وطواياهم ، وليختلي كل واحد منهم بنفسه ثم يستحضر رقابة ربه وعظيم بطشه وليسأل نفسه : لماذا يسيل لعابه من أجل فكرة التعدد هل لإرضاء ربه أم لإرضاء شهوة فرجه ؟ وليتّق نارا وقودها الناس والحجارة.
4 - ماذا لو سألناهن؟
هل ترحب الفتاة التي تأخر زواجها بهذا الحل ؟ تصبح زوجة ثانية لرجل ستظل طيلة حياتها تعتبر زواجه منها مجرد خدمة إنسانية و شفقة ، فالمسكين رغم أنه كان يعيش حياة مستقرة مع زوجته وأولاده إلا ّ أنه قبل بالتنازل والتضحية ، فتكرم وتزوجها متحملا أعباء زواج ثان ٍ لمجرد ألاّ يتركها بلا زواج !! هل ستقبل أن تعيش زوجة ثانية لرجل تزوجها فوق الشبع ؟
وعدت أقول لنفسي : وما أدراني ؟ قد يكون الوضع متعفنا إلى درجة التهافت و التسابق والتقاتل ؟ ربما أنا خارج مجال التغطية لذلك أفكر بطريقة تناسبني أنا وحدي و تنتصر لقناعاتي الخاصة ، دار رأسي كثيرا وأنا أتطفل على بعض النساء اللواتي بلغن سنا كبيرة دون زواج ، لمعرفة آرائهن ، وقد تعمدت تجاهل الآراء النظرية التي أدلت بها من لم تتوفر لهن فرصة الزواج من رجل متزوج ، لأن آراء هن قد تُسفّه بقول مأثور واحد (عجز عن قطف العنب فقال إنه حامض) و اخترت عمدا مجموعة تتوفر في عناصرها شروطا محددة :
أ‌- السن فوق الثلاثين ولم يسبق لها الزواج .
ب‌- تقدم لخطبتها رجل متزوج .
ت‌- زوجة هذا الرجل حية وصحتها جيدة ولهما أولاد .
ث‌- لايهم إن كانت قبلت هذا الزواج أم رفضته .
وفوجئت بحقائق لم أتصورها ، رغم بعض الآراء المتوقعة ، فمثلا هناك من :
1- رفضت إعطاء تفسير لقبولها واعتبرت الزواج من أي رجل حقا لأي أمرأة مهما كان متزوجا ومهما كان رأي زوجته الأولى .
2- قبلت الزواج من متزوج لأن ذلك عادي في عائلتها ومعمول به.
3- قبلت الزواج من متزوج لأنه منكوب في زواجه الأول وواثقة من قدرتها على تعويضه وبالتالي تكون هي أهم من الأولى.
4- رفضت إعطاء مبرر لرفضها ، بل ترفض حتى أن تعامل على أنها عانس وفي ورطة ، وتعتبر أن خطبة المتزوج لها إهانة لكرامتها.
5- رفضت الزواج من متزوج لأنها تجاوزت مرحلة الغباء الأنثوي الذي يجعلها تربط عنقها بحبل وتسلمه لرجل يتحكم فيها.
6- رفضت الزواج لأنها بعدما بلغت مرحلة من النضج الفكري والنجاح في الدراسة وفي العمل ، اقتنعت بإمكانية العيش دون مسؤولية الزواج والأمومة الكفيلين بعرقلة مسارها المهني .
7- رفضت الزواج من متزوج لأنها تؤمن أنها على موعد مع فارس أحلام أعزب ، وتفضل الموت على أن تتنازل وتتزوج من صاحب سوابق زواجية.
8- قبلت الزواج من زوج صديقتها الحميمة التي أقنعتها أنها اختارتها لزوجها حتى تضرب عصفورين بحجر : تجنب صديقتها العنوسة من جهة ، وتضمن ألاّ يميل زوجها إلى أخرى لا تعرفها ولا تضمن مودتها من جهة ثانية.
نعم ، كل هذه النماذج حقيقية ، والحصول عليها استهلك مني سنوات ، واضطرني أحيانا إلى الإندماج المتعمد في بعض التعارفات العابرة ، التي تخدم فضولي وتغذي نهم البحث عندي ، ولكن القصة التي صعقتني أكثر هي قصة تلك المرأة التي خطبت لزوجها ثم أقامت له عرسا كما تفعل الأم لوحيدها ، والتي قررت بمحض إرادتها أن تتخلى عن حقها في فراش الزوجية ، بل إنها كلما جاء دورها ليبيت في غرفتها أخذته من يده إلى غرفة عروسه وتمنت لهما ليلة سعيدة وذرية صالحة ، عندما سمعت قصتها قررت أن ألتقيها بأية طريقة ، لكن القدر وضعها أمامي بالصدفة حيث التقيتها في غرفة الانتظار بعيادة طبيب النساء ، كانت برفقة ضرتها الحامل ، وكانت النسوة يتحدثن باستغراب ممزوج بالاستنكار حينا و بالإعجاب حينا آخر، عن المرأة التي زوجته ثم قررت التحول إلى أم له ولعروسه ، تشرف على نظام البيت وتتولى تسيير أموره بل إنهما لا يخطوان خطوة قبل استشارتها والتنور برأيها ، شعرت بغبطة عارمة لأني سأضع عيني في عينها ثم أسألها عن الحكمة التي أشرقت في سماء عقلها وهدتها إلى هذا التصرف ، ولكني كنت أخشى أن تراوغني فلا تصدقني القول ، لذلك قررت مباغتتها بجملة استفزازية : ( أيتها الذكية لقد عرفت ِ كيف تروضينه ، لقد خشيت ِ أن يُدخل عليك ضرة تسحر قلبه وتخطف لبه وتركنك على الرف فتنازلت بمحض إرادتك ، يا للدهاء ) لأكتشف أن المرأة أدهى مما توقعت ، فقد أجابتي بخبث: ( عاند ولا تحسد !! ) لكنني راوغتها مرة أخرى قائلة ( هل تريدين إقناعي أن تنازلك عن زوجك لامرأة أخرى هو صفقة رابحة وأنك تستحقين الحسد عليها ؟ هههههه.... ) فانفجرت المرأة مدافعة عن صفقتها قائلة ( وهل تريدين الإدعاء أن الخضوع اليومي لرغبات الزوج و شطحات شهوته هو الصفقة الرابحة ؟ ألا تمل المرأة من التعروس اليومي وهي التي تعمل بكدِّ العبيد ، وصبر الحمير منذ أولى ساعات النهار ؟ ألا يتحول ذلك إلى عبء ثقيل يتعين عليها التملص منه ؟ لقد تخلصت من ذلى الأنثوي بأقل الخسائر ، فبدل التقصير في حق زوجي و دفعه إلى البحث عن أخرى وتركي من أجلها ، فضلت أن آتيه بتلك الأخرى وأن أمن عليه وعليها بشكل يحفظ لي مكانتي كربة بيت ، لن يتركني ولن أفقد الرفاهية المادية التي يوفرها لي ، على العكس : أنا ربة البيت ، أنا الكل في الكل وليفرح هو بدميته الجديدة كما يشاء !! ولكن بإرادتي وتحت نظري ، أليست صفقة رابحة ؟ تخلصت منه دون أن يدرك ذلك بل لقد نلت كل تقديره وعرفانه ، من مثلي هاه... من منكم مثلي ؟ )
أعترف أنني صعقت لسببين : الأول هو الثقافة الجنسية لهذه المرأة التي جعلتها تعتبر نفسها مجرد مفعول به خلال العلاقة الزوجية ، وهي ثقافة مدمرة شائعة بين كثير من النساء ، والثاني هو رد فعلها المتمثل في : التخلي عن قرينها لأخرى بطريقة تحفظ معها ما يمثله هذا الزوج كمجرد منفق عليها وعلى أولادها ، ورحت أتساءل : رباه ..كم يا ترى عدد اللواتي يكتفين بدور المفعول به ، ولم تكن الواحدة منهن فاعلا يوما ولا مفعولا معه ولا حتى مفعولا لأجله ؟ وكم هو عدد الرجال الذين يعتقد الواحد منهم أن زواجه الثاني برضى الزوجة الأولى دليل حب منها ولا يعرف أنه مؤشر على أن تلك الزوجة قد ملّت منه واستغنت عن خدماته ؟ بل ألا يحق للرجل المتزوج من المرأة ( المفعول به ) أن يبحث عن المرأة ( الفاعل ) ؟
أشعر أنني قد خرجت عن الموضوع ولكني معذورة ، فالأمور متداخلة حقا وليس من السهل فصلها ، لكن أهم نتيجة توصلت إليها بعد سبر الآراء هذا هي أن : ( لا أحد يعرف ما يدور في عقل المرأة التي تأخر زواجها ، ولا حتى امرأة مثلها )
5 – تعددت الأجناس والعنوسة واحدة :
لا فرق في نظري بين عنوسة الذكر وعنوسة الأنثى ، فمهما كان جنس الإنسان يظل بحاجة إلى شقه الثاني ، إلى رفيق درب يتقاسم معه وجع الصبر على مشقة الحياة ، ويتشارك معه أفراحه وآماله ، ويسكن إلى حضنه عندما يحتاج ضمة حنان وتعاطف ، ومهما كان جنس الانسان يظل ظمآنا إلى رشفة مودة ، إلى ضمة ، إلى شمة ، إلى انصهار كامل في الآخر المكمل له ، وإلاَّ تحولت الحياة إلى عبء ثقيل وإلى رحلة مضنية ، إما أن يتحمل هذا الإنسان مرارتها ويصبر ، وإما أن يتحول إلى مجرم أو مجنون ، فهل يجوز لنا أن نحل مشكلة عنوسة البنات ونغفل عن عنوسة البنين ؟ إذن : ألا يعتبر حرمان الشباب مما سماه الله سبحانه وتعالى مودة ورحمة ، جريمة كاملة ؟ ألا يعتبر الحديث عن الفتاة التي تأخر زواجها كما لو أنها مجرد بضاعة كاسدة جريمة كاملة ؟ ألا يعتبر الحديث عن عنوسة البنات دون التطرق لعنوسة الذكور جريمة كاملة؟ ألا يعتبر التقصير في تحصين شبابنا ( بالزواج ) ضد أعاصير الانحراف جريمة كاملة ؟
هاهي الجريمة الكاملة تعربد علنا ، وتستعرض أنيابها ومخالبها دون خجل ، فإلى متى نتغافل عنها ؟ ومن منا سيجرؤ على الإمساك بالمجرم الحقيقي ، ذاك الذي قلت من البداية أنه زئبقي القوام ؟

الاثنين، 15 أبريل 2013

هل نحتاج فعلا إلى ثورة مستوردة؟

بقلم : رتيبة بودلال

تحية كبيرة لشباب الجزائر ، الذي أثبت نضجا سياسيا متفردا ، فقد بارك ثورة تونس ضد دكتاتورها ، وثورة مصر ضد فرعونها العميل لإسرائيل ، دون أن يغفل عن عدم مطابقة هذين النموذجين للحالة الجزائرية .

رغم ترشيح وسائل الإعلام الأجنبية للجزائر كساحة تالية تكتسحها ثورة الشعوب العربية ، مما كان يمكن أن يهيئ شبابها نفسيا لاحتضان أية مبادرة تصب في هذا المسار ، إلا أن هذا الترشيح المرتجل غفل ( أو تغافل ) عن حقيقة أن الشعب الجزائري كان قد سبق غيره إلى الثورة حين خرج في 5 أكتوبر 88 ، وكان أول شعب عربي يجبر نظامه الحاكم على إقرار التعددية الحزبية ، والحريات الديمقراطية ، و أن هذا الشعب قد دفع فاتورة غالية من الدم واللاأمن طيلة عشرية سوداء كئيبة ، وبالتالي فإن الشباب الذي ولد من رحم العشرية السوداء ، يدرك ويعي نعمة الأمن الذي حققته القيادة الرشيدة ، بفضل تكامل مبادرتي الوئام المدني والمصالحة الوطنية ، ويعتبرها مكسبا باهظ القيمة ، لا ينبغي التفريط فيه.
ومع ذلك ارتأى البعض أنه الوقت المناسب لنقل الشرارة إلى الجزائر ، سواءا عن حسن نية أو عن سوء قصد ، واعتبر هؤلاء أنها فرصة تاريخية ناذرة ، في ظل التضامن الشعبي مع ثورتي تونس ومصر ، وتركيز عدسات الكاميرات العالمية على العواصم العربية ، وحرصا على تحقيق الكتالوجين التونسي والمصري رفع هؤلاء شعارات طبق الأصل – ياللتقليد الحرفي الأعمى – وغاب عن هؤلاء الوعي الشعبي العام للفرق الشاسع بين ديكتاتورية بن علي ، وفرعنة مبارك من جهة ، ولرشاد وإيجابية القيادة البوتفليقية من الجهة الأخرى ، لقد استلم السلطة عندما كانت الجزائر في أحلك سنين ما بعد الاستقلال ، فأعمل حكمته في العبور بها من بحر الدماء إلى شاطئ الأمن والأمان ، ومن منا لا يذكر تلك السنوات التي كان الواحد منا فيها يستيقظ مذعورا ليتحسس رقبته ؟ ومن منا استطاع أن ينسى تلك السنوات التي كانت لا تخلو فيها نشرة إخبارية من إعلان خبر أو أخبار اغتيالات ومذابح ومجازر جماعية ؟ ...الخ من مرارات تلك المرحلة المشئومة التي كان يمكن أن تتطور إلى الأسوأ فالأسوأ ، لكنها بحمد الله وتوفيقه انقلبت إلى وئام مدني ومصالحة وطنية ، وأمن وأمان ، وهذا وحده كاف بغض النظر عن الإنجازات الأخرى : اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وحتى رياضيا ، أم أننا نسينا الوقفة الأبوية للرئيس عندما فتح جسرا جويا بين الجزائر والسودان ، لتمكين الشباب من تشجيع فريقنا الوطني لكرة القدم ، مما أهدى للشعب الجزائري برمته أعظم فرحة في تاريخه بعد فرحة الاستقلال ، وقد يقول قائل : ( ذلك جزء من الحملة الانتخابية ، تمهيدا للعهدة التالية ) فأقول له : ( ولكن تلك الحملة نجحت وجعلت الشباب الجزائري كله يهتف للرئيس بوتفليقة ، ويثمِّن له تلك المبادرة ، وبالتالي : ما غركم بمحاولة تأليب هؤلاء الشباب ضده ، أم أن الحماقة أعيت من يداويها ؟ ) .
لقد تجاوز الشعب الجزائري مرحلة الثورة إلى مرحلة الحفاظ على مكاسبها ، عبر تقييم وتقويم منجزاتها ، وهذا لن يتأتى إلا بتحري النزاهة والمصداقية في تشخيص مواطن الخلل وأعشاش الفساد ، وليس عبر استيراد نماذج غير مطابقة من الثورات التي لا تناسب مقاسنا ، وعندما أقول تشخيص ( قبل وصف العلاج ) فأنا أقصد ذلك تماما ، لأنه ليس من المنطق إعطاء وصفة لعلاج الصداع إذا كان ما يشكو منه المريض هو التواء في مفصل الكاحل .
لا يخلو بلد مهما بلغ من التمدن والرفاهية والازدهار، من مشاكل تحتاج إلى حل، نعم لنا مشاكلنا، وهي متنوعة بين اقتصادية واجتماعية وسياسية ... الخ ، لكنها لا تحتاج إلى ثورة ، مشاكلنا تحتاج إلى :
1 - نضال نقابي مخلص ، يركز على المصلحة العامة وليس على تحقيق المكاسب الشخصية عبر المتاجرة بالهموم القاعدية ومقايضتها بالكرسي والامتيازات المختلفة .
2 – مسِؤول مخلص يدرك أنه مُستأمن على مصالح مواطنين لهم حقوقهم الثابتة التي لا يحق له الاعتداء عليها .
3 – حوار سياسي راق وبنّاء ، يهدف إلى الإصلاح وتعزيز المكاسب السياسية وليس إلى امتطاء الموجة للوصول إلى أحد الكراسي .
4 – تقديم المصلحة العليا للوطن ، بحيث لا نعطي الفرصة لأعدائه حتى يستغل اختلافنا في الرأي لدس أنفه المزكوم وتلويث الأجواء بيننا بمختلف الأنفلونزات السياسية .
5 – إنتاج الفرد الصالح أو المواطن الصالح ، المتشبع بقيم النزاهة والأمانة ، وبالضمير الحي والوعي الوطني ، حتى نضمن أجيالا من الشرفاء القادرين على ابتكار سبل الإزدهار لهذا الوطن ، أما أن نخفق في تربية أولادنا ثم نتبجح بشعارات مستوردة فهو إما دليل خيانة وعمالة وإما دليل حُمق ٍ وسَفهٍ.
.
.
.
ما نحتاجه إذن ليس ثورة على النظام بل هو ثورة على تقصيرنا وكسلنا واتكالنا وبيروقراطيتنا ، ثورة على أخطائنا وقابليتنا للتحريض والتعبئة النفسية الهدَّامة ، وإذا كان هذا ما نحتاجه فليس بالضرورة أن نخرج في مسيرة في هذا التوقيت بالذات ، خاصة بعد إعلان الرئيس عن الخطوة الإيجابية جدا : رفع حالة الطوارئ ، وعن تلك الخطوات الأخرى التي لا تدل على ضعف موقفه في ظل عدوى ثورات الشعوب ، بل تدل على حكمته وبعد نظره لأنه بذلك اختلف عن المخلوعين بن علي ومبارك في أنه مستعد للإصغاء إلى نبض الشارع ، ومستعد لتقديم التنازلات التي يتطلبها حقن الدماء ، ومستعد قبل هذا وذاك لإثبات أن أرض الجزائر التي لاتزال رطِـبة بدماء شهدائها لن تكون هشيما يلتقط الشرارات الطائشة .
تحية كبيرة لشباب الجزائر ، الذي أثبت نضجا سياسيا متفردا ، فقد بارك ثورة تونس ضد دكتاتورها ، وثورة مصر ضد فرعونها العميل لإسرائيل ، دون أن يغفل عن عدم مطابقة هذين النموذجين للحالة الجزائرية ، تحية عريضة لحكمة الشباب .



نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 10 ربيع الأول 1432هـ الموافق لـ : 2011-02-13

عن الكتاب الذين يحلمون

بقلم : رتيبة بودلال
إهداء خاص : إلى فاطمة الزهراء بولعراس .
الأستاذة الفاضلة فاطمة الزهراء بولعراس

إهداء عام : إلى كل من يخالفني الرأي .

مقدمة : لطالما أُعجبت بشعار جريدة الشروق اليومي : ( رأينا صواب يحتمل الخطأ ، ورأيكم خطأ يحتمل الصواب )

عندما قرأت ( كتاب يحلمون ) للمتألقة فاطمة الزهراء بولعراس ، ابتسمت ثم قهقهت ، ثم داهمني الدوار ، فقد ازدحمت الأفكار ذات الصلة بهذا الموضوع في جمجمتي منذ زمن ، وما أسكتني إلا ضيق وقتي الذي تتشارك التهامه حتى النفاذ ، واجباتي المهنية والعائلية ، خاصة أنني أفضل التريث والتركيز وأتفادى الكتابة المستعجلة .
لقد مرت سبعة عشر يوما كاملة منذ قراءتي للنص ، ورغم مشاغل نهاية السنة الدراسية ، ظلت الأسئلة الملحة تنقر جمجمتي :
لماذا يكتب الكاتب ؟ لكي يبلغ أفكاره للآخرين ؟ لكي يفرغ شحنة مثعبة من البوح المكتوم ؟ أم لأنه يعتقد مثلا أن بإمكانه إصلاح الكون ؟ أم تراه يمتهن الكتابة من أجل ضمان لقمة العيش ، أي أن الكتابة بالنسبة له هي مجرد وظيفة؟ أو ربما يكتب لأن لقب ( أديب ) يستهويه ، ومن أجل الحصول عليه يجتهد صاحبنا في تلقيح ( وليس تنقيح ) أفكاره ، فيطعِّمها بقول أديب مشهور أو يستشهد بجملة مأثورة لفيلسوف معين أو ينسج على منوال رواية أو مسرحية لفلان خالد الذكر ، ساطع الفكر ، ويا للمهزلة ؟
راودتني الأسئلة منذ زمن بعيد ، لماذا يضحك أحدهم حتى تفيض الرغوة من شدقيه وهو يروي كيف أن أحدهم - آخر – قد شبه أسلوبه في الكتابة بأسلوب فلان المشهور ؟ أتذكر الآن عندما قرأ أستاذي في مادة اللغة العربية ( الأستاذ عبود ناصر ذكره الله بخير، وقد كنت طالبة في السنة الثالثة ثانوي ) مسودة قصتي الطويلة الأولى – هل يمكنني اعتبارها رواية ؟ - ثم قال أنني أكتب مثل غادة السمان ، حينها شعرت بالخجل لمجرد أن أتوقع أن من سيقرأ لي سيعتبرني مقلـِّدة ، واعتبرت الكتابة مثل غيري شبهة وسجنا ، يتعين عليَّ التخلص من نيرهما ، وكيف أنني كلما ومضتْ في دماغي فكرة ٌ ثم سبقني إليها غيري ، سارعت إلى وأدها حتى لا يُشتبه بي في سرقة أدبية ، هل هذا غباء مني ؟ كلا والله بل انه الحرص على الصدق فيما أكتب ، على ألا أكون نسخة مكررة مشوهة وبغيضة – لأن التطابق مستحيل في نظري - وعلى تقديم الجديد والمبدع للقارئ الذي ينبغي على الكاتب أن يحترم عقله ويثمِّن إقباله على القراءة فلا يصدمه أو يجعله يتفاجأ بالغث ِّ فالغث ِّفالغث.ّ
الكتابة إبداع ، وما لم تكن كذلك كانت استنساخا مقيتا ، لا يُنتج لنا سوى التشوهات والعاهات ، لذلك لا ينسجم جوهرها مع مسايرة الموضة ، فتسود موضة الرواية عقدا من الزمن يتهافت فيه الكتاب على السرد ثم يجيء دور الشعر فتنهمر القوافي والتفعيلات ثم تأخذ القصة دورها فالق ق ج ....وهكذا .
الكتابة إبداع ، لذلك تتخذ الشكل اللائق دون أن تلتزم بالتقليعات والصيحات ، بل تفرض نفسها إذا كانت جديرة بذلك وتستقطب جمهورها مهما كان شكلها ، لذلك أعيب على البعض انحيازهم لشكل إبداعي معين بحجة أننا في زمن ذلك الشكل دون سواه ، فالأشكال الأدبية في نظري لُغات ٌ يتقنها الكاتب ليتحدث بها حسب الحاجة والمناسبة ، لذلك يستطيع استعمالها يوميا وبالتوازي دون أن يكون ذلك مستهجنا أو معيبا ، بل العيب كله هو ادعاء القدرة على الصوم عن الشعر أو عن القصة أوعن الرواية أو غيرها ، مع التوجه إلى شكل آخر من أشكال الكتابة ، والالتزام به كما لو كان دينا ومعتقدا والخروج عنه كفر وزندقه ، وأتذكر أنني ذات أمسية شعرية من تنظيم جمعية الجاحظية ( سنة 1992) التقيت الزميلين عثمان تزغارت وعبد الكريم قذيفة في الرواق يتجادلان لأن أحدهما يعتبرني قاصة بينما الآخر يراني شاعرة ، مازلت حتى اليوم لا أفهم جدوى جدالهما ، فقد وجدتُني دائما أكتب و بعفوية تامة أشكالا مختلفة من الأدب، دون أن ألتفت إلى لونها أو أتدخل في تحديد جنسها .
أستطيع أن أتفهم الضغوط التي تثقل كاهل الكاتب الذي ....
الذي يأكل الخبز من وراء الكتابة...
نعم : عندما تكون الكتابة وسيلة استرزاق يضطر الكاتب إلى الاستماتة من أجل استمرار تدفقها، واستجابتها لقانون العرض والطلب ، وقد يصل به الأمر إلى إعلان موته الشعري أو الدخول في إضراب عن الطعام بل وإلى إضرام النار في جسده أمام مبنى وزارة الثقافة ولم لا ؟ لذلك يضطر الشاعر إلى تجريب السرد دون امتلاك أدواته ، لمجرد أن زمن الرواية قد أقبل ، وينحاز الروائي إلى نحت القصائد دون أزاميل لأن الزمن زمن الشعر، وهكذا تتميع الكتابة وتفقد جنسها ونجد أنفسنا أمام جنس هجين ، يولد ولا يلد ، والعياذ بالله.
نعم أتفهم تلك الضغوط لكنني لا أتفق مع الرضوخ لها ، بل وأعتبر الكتابة موهبة ينبغي الحفاظ عليها وتنميتها ، وذلك بعدم إقحامها في معركة الحصول على الخبز اليومي ، أعرف الأرقام الرسمية التي تتحدث عن ارتفاع نسبة البطالة ، لكن الكتابة في نظري تستحق أن ننزهها عن مرتبة المهنة .
نكتة : ذات مرة طلبت مني أحداهن أن أعد لها قائمة من الكلمات التي تنتهي بقافية معينة لأنها بصدد نظم قصيدة ورصيدها اللغوي ...يخونها.....
أرجوكم لا تضحكوا ، فهذه النكتة من النوع الذي يبعث على الانتحاب .
الرجل الذي أضاء العالم
بقلم : رتيبة بودلال
إطلع على مواضيعي الأخرى 
[ شوهد : 568 مرة ]
كم من الموجع أن يكون منا هذا الرجل ثم نكون على ما نحن عليه ، كم من المخزي أننا لا نأخذ من سيرته سوى ما نستعمله لمصالحنا.
قال فيه حسان بن ثابت : وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ
وقال هو عن نفسه : ( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي )
وقال عنه خالق الكون ، الله سبحانه وتعالى ( وإنك لعلى خُلـُق ٍ عظيم ) صدق جل وعلا ،
وقال عنه هرقل عظيم الروم بعدما طرح الأسئلة الكثيرة عنه لأبي سفيان : ( لو كنت عنده لغسلت عن قدمه )
أما نجاشي الحبشة أصحمة بن أبجر فقد أخضلت عبراته لحيته بعدما سمع بعض ما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم - ثم قال قولته الصادقة ( إن هذا الكلام والذي جاء به عيسى ، ليخرجان من مشكاة واحدة )
وقال عنه المفكر الفرنسي لامارتين من كتاب "تاريخ تركيا"، باريس، 1854 : ( محمد هوالنبي الفيلسوف الخطيب ، المشرِّع المحارب ، قاهر الأهواء ، وبالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية أود أن أتساءل : هل هناك من هو أعظم من النبي محمد ؟ أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية ، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد ؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه ، عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذي كان مكرساً لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوي هذه كلها تدل على إيمان كامل مكّنه من إرساء أركان العقيدة . إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد الأخرى الذي أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو محمد ، لقد هدم الرسول المعتقدات التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق ، أيُ رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد صلى الله عليه وآله و صحبه وسلم ، وأيُ إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ ، لقد هدم الرسول المعتقدات الباطلة التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق)
ويضيف لامارتين: ( إن محمدا أقل من الإله وأعظم من الإنسان العادي أي أنه نبي.)
أماالإنجليزي برنارد شو فيقول في كتابه "محمد" ، والذي أحرقته السلطة البريطانية: ( إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، هذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين قادر على هضم جميع الديانات ، خالدا خلود الأبد ...إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم ، لوُفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام و السعادة التي يرنو البشر إليها ) وقد رفض أن يكون أداة لتشويه صورة الرسول "صلى الله عليه وآله و صحبه وسلم" عندما طلب منه البعض أن يمسرح حياة النبي حيث جاء رفضه قاطعاً.
ومما قاله عن الإسلام ورسوله:
(قرأت حياة رسول الإسلام جيداً، مرات ومرات لم أجد فيها إلا الخلق كما يجب أن يكون، وأصبحت أضع محمداً في مصاف بل على قمم المصاف من الرجال الذين يجب أن يتبعوا).
و ( لما قرأت دين محمد أحسست أنه دين عظيم، وأعتقد أن هذا الدين العظيم سيسود العالم ذات يوم قريب مقبل إذا ما وجد الفرصة لانتصاره، ليتعرف العالم عليه بلا تعصب).
وقال أيضاً ( لو أن محمداً وجد في هذا العالم اليوم لاستطاع بقوة إقناعه أن يحل كل مشكلات العالم وان يجعل الحب والسلام هم الحياة، ولاشك أن الإسلام ونبي الإسلام، استطاعا أن يجعلاني أقف باحترام شديد للرسالة ورسولها وتمنيت دائماً بأن يكون الإسلام هو سبيل العالم فلا منقذ له سوى رسالة محمد).

كما قال : ( لم يسجل التاريخ أن رجلاً واحداً ، سوى محمد ، كان صاحب رسالة وباني أمة ، ومؤسس دولة … هذه الثلاثة التي قام بها محمد ، كانت وحدة متلاحمة ، وكان الدين هو القوة التي توحدها على مدى التاريخ) .

ويقول الكاتب عالم الفلك والرياضيات والمؤرخ اليهودي مايكل هارت في كتابه "مائة رجل في التاريخ" ( إن اختياري محمد ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ ، قد يدهش القراء ، لكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله ، الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها. )
أما المهاتما غاندي فيقول ( بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول محمد ، وجدت نفسي بحاجة للتعرف أكثر على حياته العظيمة ، إنه يملك بلا منازع قلوب ملايين البشر ) وأضاف الزعيم الهندي المهاتما غاندي في مكان آخر، ( إن نبي الإسلام هو الذي قادني إلى المناداة بتحرير الهند"، "العظيم الخالد إلى الأبد محمد بن عبد الله رسول الإسلام كان قادراً على السيطرة على العالم كله، ومع ذلك ترك نفسه إنساناً بالإسلام ولم تستطع شهوة الشيطان في السيطرة أن تحوم حتى حوله فعاش نبي الإسلام رسولاً، بشراً عادياً أمام إخوانه من الناس، كواحد منهم رغم أنه اصطفاء إلهي).
كما يقول المصلح الاجتماعي الإنجليزي توماس كارلايل ، هذا الفيلسوف الإنجليزي الحائز على جائزة نوبل ( إني لأحب محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع ، إنه يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم ، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، لم يكن رسول الإسلام من محبي الشهرة كما يدعي البعض لم يكن في فؤاد ذلك النبي العظيم أي طمع دنيوي، لأن الذي يتمسك بحبل الله لا تهمه الظواهر ولا السطحيات، فقد تمسك بحبل الله ضارباً حسابا الربح والخسارة عرض الحائظ غير مهتم بجاه أو شهرة أو سلطان، ولو كان يريد ذلك لركن إلى أقوال الذين ساوموه على ذلك، لكنه أقسم أنهم لو وضعوا في يديه القمر والشمس على أن يترك هذا الدين ما تركه).
أما الأديب الإنجليزي جورج ويلز فيقول عنه أنه ( أعظم من أقام دولة للعدل والتسامح )

و يقول " ديوان شند شرمة " في كتابه: " أنبياء الشرق ". طبعة كلكتا ( 1935 ) ص122:
( لقد كان محمد روح الرأفة والرحمة وكان الذين حوله يلمسون تأثيره ولم يغب عنهم أبدا ) .
ويقول الباحث الإنجليزي لايثنر ( إني لأجهر برجائي بمجيء اليوم الذي يحترم فيه النصارى المسيح عليه السلام احتراما عظيما باحترامهم محمدا ، ولا ريب في أن المسيحي المعترف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالحق الذي جاء به ، هو المسيحي الصادق )
أما الأديب الروسي الكبير تولستوي فيرى أن (يكفي محمداً فخراً أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة ) و في مكان آخر قال ( لا يوجد نبي حظي باحترام أعدائه سوى النبي محمد مما جعل الكثرة من الأعداء يدخلون الإسلام).
ويتابع الأديب الروسي ( أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد، الذي اختاره الله الواحد لتكون أخر الرسالات على يديه وقلبه وعقله، ليكون هو أيضاً آخر الأنبياء حيث لم يأت ولن يأت بعده جديد، اعتراف محمد بالأنبياء الذين سبقوه بتكليف من الإله الواحد ليقدموا البناء الاجتماعي العالمي الذي جاء يستكمله دليل لا يقبل الشك فقد جاء محمد ليستكمل بالإسلام البناء الاجتماعي للإنسان في كل مكان، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق ، وجعلها تجنح للسكينة والسلام ، وفتح لها طريق الرقي والمدنية). ويقول سليم قبعين ، مترجم كتاب تولستوي في مقدمته ، و هو مسيحي لبناني :
( بعد إطلاعي على رسالة الأديب الروسي ليو تولستوي عن الإسلام وعن النبي محمد, هالني ما جاء فيها من الحقائق الباهرة فدفعتني الغيرة على الحق الى ترجمتها الى العربية) .
أما المستشرق ميشون فيقول ( إن الإسلام الذي أمر بالجهاد قد تسامح مع أتباع الأديان الأخرى ، وبفضل تعاليم النبي محمد لم يمس عمر الخطاب المسيحيين بسوءٍ حين فتح القدس ) .
وقال عنه المؤرّخ الإنجليزي وليم موير ( امتاز محمد بوضوح كلامه، ويسر دينه، وأنه أتم من الأعمال ما أدهش الألباب، لم يشهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس، وأحيا الأخلاق الحسنة، ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد).
أما المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون فيقول ( إن محمدا هو أعظم رجال التاريخ )
أما ويل ديورانت ، مؤلف موسوعة قصة الحضارة فيقول ( إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمدا هو أعظم عظماء التاريخ )
جون وليام دريبر
يقول ( جون وليام دريبر) الحاصل على دكتوراة في الطب والحقوق في كتابه " تاريخ التطور الفكري الأوروبي " . طبعة لندن ( 1875 ) المجلد الأول ، ص 229 و 230 :
( ولد في مكة بجزيرة العرب عام 569 بعد المسيح ، بعد أربع سنوات من موت جوستنيان الأول ، الرجل الذي كان له من دون جميع الرجال ، أعظم تأثير على الجنس البشري .. وهو محمد ) .
يقول ر. ف. س. بودلي في : " الرسول " لندن ( 1946 ) ص 9 :
( إنني أشك أن أي إنسان لا يتغير لكي يلائم ويوافق التغيرات الكثيرة جدا في ظروفه الخارجية ، كما لم يتغير محمد ) .

ويقول " جون أوستن " في مقال له بعنوان " محمد نبي الله " في مجلة ت. ب. وكاسل الأسبوعية في 12 سبتمبر سنة 1927 :
( لقد أصبح محمد بالفعل في خلال ما يربو قليلا عن العام ما يمكن أن نسميه بالحاكم الروحي والدنيوي للمدينة ، ويده على الرافعة التي كان مقدر لها أن تهز العالم ) .
أما بوسورث سميث، فيقول في كتابه "محمد والمحمدية"، لندن 1874، صفحة 92.
( لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا في آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها.)
ويقول سنرستن الآسوجي ، أستاذ اللغات السامية ، في كتابه "تاريخ حياة محمد" : إننا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصراً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ).
ويقول الدكتور (شبرك) النمساوي( إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته.)
وقال عنه الشاعر والأديب الألماني يوهان فولفجانج جوته : (إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا ، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد ، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان ، فوجدته في النبي محمد .)

ويقول البروفسورراما كريشنا راو (لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها. ولكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة. فهناك محمد النبي، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد، ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضي، كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا).
أما السير مويرفيقول ( إن محمداً نبي المسلمين لقب بالأمين منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه وحسن سلوكه، ومهما يكن هناك من أمر فإن محمداً أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، ولا يعرفه من جهله، وخبير به من أمعن النظر في تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذي ترك محمداً في طليعة الرسل ومفكري العالم).
وفي كتابها "حياة وتعاليم محمد" تقول المستشرقة البريطانية آني بيزنت:
( من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربي العظيم.)
يقول المستشرق الألماني برتلي سانت هيلر في كتابه "الشرقيون وعقائدهم( كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبيُّ بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد ،وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية ، وهما : العدالة والرحمة.)
أما الكونت كاتياني يقول في كتابه "تاريخ الإسلام " :
( أليس الرسول جديراً بأن تقدَّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التي جاء بها لينشر في العالم الحب والسلام؟! )
المؤرخ كريستوفر دارسون يقول في كتابه (قواعد الحركة في تاريخ العالم):
( إن الأوضاع العالمية تغيرت تغيراً مفاجئاً بفعل فرد واحد ظهر في التاريخ هو محمد)
يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتابه "العرب"
( لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله : (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )) كان محمد رحمة حقيقية ، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق)
يقول الباحث الفرنسي كليمان هوارت
( لم يكن محمداً نبياً عادياً ، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء ، لأنه قابل كل الصعاب التي قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بني قومه … نبي ليس عادياً من يقسم أنه "لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها" ! ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة في نشر الدعوة لأصبح العالم مسلماً).
أما برتراند راسل وهو أحد فلاسفة بريطانيا الكبار والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 1950،فقد قال: ( لقد قرأت عن الإسلام ونبي الإسلام فوجدت أنه دين جاء ليصبح دين العالم والإنسانية، فالتعاليم التي جاء بها محمد والتي حفل بها كتابه مازلنا نبحث ونتعلق بذرات منها وننال أعلى الجوائز من أجلها، و كان محمد بتعاليمه وكتابه أحق بكل الجوائز لكنه لم يسع إلى ذلك وترك الأمور تسير بطبيعتها حتى لا يتهم بأن الإسلام بالسيف ساد وانتشر، لقد كانت ومازالت ديانة محمد توحيداً سهلاً ولم يزعم لنفسه انه إله ولا زعم أتباعه له هذه الطبيعة الإلهية نيابة عنه، لقد كانت الأخلاق الإسلامية منذ محمد وحتى اليوم وغداً هي المفتاح الحقيقي للإنسان الذي يحلم بان يكون لوجوده معنى).
كما أبدى الفليسوف الفرنسي جان جاك روسو إعجابه بالنبي محمد "صلى الله عليه وسلم" فقال:
( لم ير العالم حتى اليوم رجلا استطاع أن يحول العقول، والقلوب من عبادة الأصنام إلى عبادة الإله الواحد إلا محمداً، ولو لم يكن قد بدأ حياته صادقاً أميناً ما صدقه أقرب الناس إليه، خاصة بعد أن جاءته السماء بالرسالة لنشرها على بني قومه الصلاب العقول والأفئدة، لكن السماء التي اختارته بعناية كي يحمل الرسالة كانت تؤهله صغيراً فشب متأملاً محباً للطبيعة ميالا للعزلة لينفرد بنفسه)
ويؤكد روسو قائلاً ( لو أن محمداً عاش مدة أطول مما عاش، لأصبح الإسلام ورسوله سادة العالم)
وعن الكيفية التي تعامل بها الرسول "صلى الله عليه وسلم" مع اليهود قال الزعيم الألماني هتلر ( أعتقد أن الذي استطاع أن يتعامل مع اليهود، ويكسبهم ويشل حركتهم في نفس الوقت هو رسول الإسلام محمد الذي فهم ما تدور به عقولهم وقلوبهم، لذا كان محمداً حريصاً منهم حريصاً عليهم ليبلغ رسالته فاستقطبهم بطريقته التي لم ولن يصل إلى مرتبتها أحد، فالتعامل مع اليهود مشكلة غير عادية أنهم لا يستحقون الحياة إلا أن محمداً كان واسع الصدر يملك منطقا غير عادي، تأكدنا منه لتعامله معهم بالود الذي لم يألفوه وبالقوة التي شهدوها).
ويتابع هتلر ( اعتقد أنه لو كان محمد في عصرنا هذا لما فعل ما فعلت مع اليهود ).
هكذا شهدوا له ، استوقفتهم سيرته العطرة فانبهروا بها واعترفوا له ، أنصفوه ولم يروه أو يرثوا دينه عن آبائهم ، بل أوصلهم إليه العقل المتنور ، والموضوعية العلمية ، والأمانة التاريخية ، بحثوا في سيرته ، ونقبوا عن مناقبه وسجلوا شهادتهم للتاريخ ، مشاهير من المفكرين والباحثين والزعماء الروحيين وقفوا مأخوذين أمام ذلك الرجل الذي أضاء العالم ، محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذلك العربي الأمي الذي جاء إلى العالم فوجد نفسه يتيم الأب ، ثم مالبثت الأم أن انتقلت بدورها إلى الرفيق الأعلى ، ليتربى يتيم الأبوين في كفالة جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب ، ذلك الشاب الذي عاش في مجتمع تفرخ فيه الفواحش والموبقات والمنكرات ، ومع ذلك اشتهر بالعفة والنقاء والصدق حتى لقب بالصادق الأمين ، ثم تحمل أعظم رسالة سماوية ، الرسالة التي جمعت كل الديانات السماوية وتممتها وجاءت إلى البشرية كافة ، وهي تختلف عن سابقاتها في شموليتها وعالميتها وخلوها من النقص الذي يستوجب تتميمها برسالة تلحقها ، هذه الرسالة تكلـَّفها فأحسن تبليغها ، فجاءت سيرته وشخصيته بهذه العظمة التي انتزعت إعجاب كل ذي عقل ، واحترام كل نزيه ، واجتذبت بعطرها اهتمام المفكرين والفلاسفة ، الزعماء و القساوسة ، واستطاعت أن تنفذ إلى قلوبهم وأن تتغلغل في مداركهم ، وتسلب منهم الألباب ، إنها السيرة المحمدية المضيئة التي – بعد أربعة عشر قرنا من عصره – هاهي تستحوذ على أفئدة الناس من كل الشرائح والمستويات : علماء ، رجال دين ، فنانون ، رياضيون ، وأشخاص عاديون كتب الله لهم جميعا أن يبلغهم نور محمد –صلى الله عليه وسلم- ليس بالسيف ولا بالسحر ولكن بالسيرة العظيمة التي قالت عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :( كان خُلُقه القرآن).
وهاهي ذكرى مولده الشريف تعودنا ككل عام لتجدنا نتنافس في اقتناء آخر صيحات الألعاب النارية والشماريخ و المفرقعات ، والمتفجرات المتنوعة شكلا وتسمية وخطورة ، بدل الاستعداد لها بتدارس سيرته ، والتتلمذ على يديه ، والنهل من بحر مدرسته الربانية ، ها هي ذكرى مولده تعود لتجدنا في غفلتنا الطويلة ، و هواننا الفظيع ، لتجدنا كما قال – صلى الله عليه وسلم – يوما لأصحابه : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت.) صدق الحبيب المصطفى ، ها نحن تتقاسمنا مخالب وأنياب اللئام ، بينما كل همنا أن نتنافس على السفاسف ، ونتسابق من أجل التفاهات ، مهملين سيرته الشريفة وسنته الطاهرة العفيفة التي لو اقتدينا بها وسرنا على هديها لكان حالنا غير هذا ، بل وزاهدين في التعرف على جوانب شخصيته الفذة ، إننا نعرف عن مشاهير هوليود ومشاهير كرة القدم كل تفاصيل حياتهم ، بل تجد الواحد منا يحفظ عن ظهر قلب عدد أهداف لاعبه المفضل ، وفي أية دقيقة من المباراة سجل كل هدف ، والمبلغ الذي تعاقد عليه مع ناديه ، بل وأسماء النوادي التي تتنافس من أجل استقطابه ، لكننا لانعرف عن محمد بن عبد الله – عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام - ، الرسول الأخير الذي اصطفاه الله ليكمل للبشرية دينها ، لا نعرف عنه سوى تلك المعلومات العامة التي تعلمناها في درس التربية الإسلامية في مرحلة التعليم الإبتدائي ، وإذا كان الواحد منا متدينا تجده يحفظ الكثير من الأحاديث التي يستعملها ليبرهن للآخرين تدينه ، كما يحفظ كل الأدعية والأذكار التي يعتقد أنها صكوك الغفران التي ستضمن له الخلود في الجنة ، أما السيرة النبوية والسلوك اليومي للرسول الكريم فيعتبره صفة مقصورة على النبي ، ومن الغرور الطمع في الاقتداء به وتمثل سيرته ، وبذلك يعفي نفسه من عبء الالتزام الحري به كمسلم يملك إرثا وصفه النبي بأنه (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تظلوا بعدي : كتاب الله وسنتي ) .
كم من الموجع أن يكون منا هذا الرجل ثم نكون على ما نحن عليه ، كم من المخزي أننا لا نأخذ من سيرته سوى ما نستعمله لمصالحنا ، فتجد الواحد منا يبحث عن الأحاديث من قبيل ( من قال كذا ...كذا مرة لم تمسه النار ) لأن كل همنا هو إثقال ميزان الحسنات ، غافلين عن حقيقة أننا أثناء ذلك قد نثقل ميزان سيئاتنا أيضا : فقد قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – ( بلغوا عني ولو آية ) فكم آية بلغنا ؟ ألا نستأثر بهذا الدين لأنفسنا كأنه كُتب لنا في الإرث ؟ أليس من حق من لا يعرف هذا الدين أن نعرِّفه به ؟ أليس من واجبنا تصحيح المفاهيم المشوهة للإسلام في عقول الآخرين ؟ أليس اكتفاؤنا بضمان الجنة لأنفسنا أنانية وأثرة ، وتخليا صريحا عن رسالة رسولنا ؟ فأي ميزان أثقلنا إذن ؟ لقد مكنتنا التكنولوجيا المتطورة من التعرف على غير المسلمين وكيف يرون ديننا ، وعلمنا أن كثيرين منهم ذوي فطرة سليمة ، تتلاءم مع روح الإسلام ولا ينقصهم سوى التعرف على هذا الدين ، فماذا فعلنا ؟ نحن مع الأسف نكتفي بالمقولة الشهيرة ( لو ذكروا الشهادتين لسبقونا إلى الجنة ) فنحن نفضل أن نسبقهم ، نحن نصلي ونصوم ، ونقرأ أذكار الصباح والمساء ، وقد نصلي الضُّحى وبقية النوافل ، نصوم الإثنين والخميس ، شوال والأيام البيض ، وإمعانا في الورع نحج كل عام أو على الأقل نعتمر ، لكننا إذا خاصمنا فجرنا وإذا حدثنا كذبنا وإذا أؤتمنا خنَّا ، هم لا يكذبون ولا يخونون ولا يفجرون ، فإذا نطقوا بالشهادتين ثم صلوا وصاموا ، وربما حجوا فماذا سيبقى لنا ؟ سيسبقوننا !! فليذهبوا إلى الجحيم : ( جنتهم في دنيتهم ) ولن نسمح لهم بمزاحمتنا في جنتنا الخالدة ، هذا مع الأسف شأننا مع رسالة نبينا المصطفى ، حتى عندما تعود ذكرى مولده الشريف نكتفي بإحراق أطنان من الألعاب النارية والشموع والبخور ، بل ونتنافس في عدد الصواريخ ، ومدى ارتفاعها في السماء ، وعدد علب السينيال والقنابل المتسلسلة ، رغم الحوادث الخطيرة ، ورغم اقتناعنا ببطلانها وعدم إثقالها لميزان الحسنات بل وبإثقالها لميزان سيئاتنا، إلا أننا لا نستطيع التخلي عن نفاقنا الاجتماعي الذي صار إدمانا لا نملك شيئا أمام سلطانه وجبروته .
لهف نفسي ، واحرَّ قلباه ، متى نستحق الانتماء إليك أيها الحبيب المصطفى ؟ أم أنك حين قلت ( طوبى للغرباء ، الذين آمنوا بي ولم يروني ) كنت تقصد أولئك الذين اكتشفوك واهتدوا بهديك بعد ظلالهم ، وتركوا لأجل رسالتك مباهج الشهرة وبهارج المجد ، أولئك الذين يدخلون في دين الله أفواجا ، من رياضيين وسياسيين ، مفكرين وعلماء دين ، أطباء وفنانين ؟ لهف نفسي .
عندما أصبحتُ أمًّا
بقلم : رتيبة بودلال
إطلع على مواضيعي الأخرى 
[ شوهد : 790 مرة ]
مقدمة : التجارب الإنسانية القاسية ، هي التي تجعل صاحبها يعيد اكتشاف ذاته ، ويختبر متانة إيمانه ، فيدرك قيم الأشياء من حوله .

إهداء : إلى كل من أتيحت له فرصة رؤية ذلك التاج الذي على رؤوس الأصحاء .
كان مساءا حارا ومملا ، وكنت قد أعددت حقيبتي للسفر في الغذ عائدة إلى بيتي بعد قضاء مدة بين أهلي ، كان المساء ثقيلا واللحظات طوالا بطيئات ، وكان عليَّ ابتلاع مرارة الانتظار ، غدا سأعود إلى بيتي ، إلى زوجي ليرى أن حركات جنيني قد أصبحت مرئية بوضوح ، إذ تبدو كأمواج على سطح البطن ، سيسعد بذلك وسيصير بإمكانه الاستمتاع بأبوته من الآن ...أوه كم سيكون رائعا أن نصير أبوين ...
كان الليل قد أسدل على الكون جناحيه عندما أحسست بوخزآلام أيمن خصري ، اعتقدت أن الأمر يتعلق بوجع في الأمعاء غير أن الآلام تحولت في ثوانِ إلى طعن خناجر، واستوجب الأمر نقلي إلى مستشفى الولادة في تمام منتصف الليل...مستشفى الولادة؟؟ هل سأضع طفلي في الشهرالسابع أم الثامن ؟ يا إلهي مواليد الشهر الثامن لا يعيشون إلا بنسبة واحد على الألف ...لطفك يا الله.. استقبلتني القابلة المناوبة بامتعاض واضح ، وصفت للممرضة الحقنة المناسبة لحالتي وانصرفت وهي تتثاءب وتتمتم ، توقف الألم مرة واحدة ، وقالت الممرضة أن عليَّ النوم لأن الوقت متأخر !! عن أي نوم تتحدث وهي ترى النساء المتألمات يتأوهن وهن يتنقلن ببطء ومعاناة كبيرة على امتداد الرواق الطويل وتحت أنواره الساطعة ؟ فجأة سمعت صرخة حادة قريبة مني ،التفت لأرى المرأة التي صرخت قد استأنفت كلامها مع أخرى بينما كانت كل واحدة منهما تضع يدا على أسفل ظهرها والأخرى على الجدار وتحاول المشي ، صرخة أخرى ثم الكثير من الأنين ، صوت امرأة تصرخ بأعلى صوتها ( يااااااربيييييي....إيييي .....) ثم انخرطت في انتحاب بدأ يخفت حتى تلاشى ، داهمني الإحساس بالغربة ، نساء كثيرات ينتظرن لحظة الخلاص ، بعضهن يصرخن برعب والبعض الآخر ترتسم على قسماتهن علامات الخوف والقلق و الألم الدفين ، ووسطهن جميعا أكتم آلامي والصرخة التي كاد يفجرها رعبي مما ينتظرني ...كل هذا على بعد مائتين وخمسين كيلومتر من زوجي ..
في الصباح عاودتني الآلام ، رهيبة ، حادة ، وكان رعبي يتضاعف : ( هل سأضع طفلي في الشهرالسابع أم الثامن ؟) تبأ للقابلات ، لقد حددت لي كل واحدة منهن موعد ولادة مختلف ، جاءت الطبيبة في حوالي الواحدة ظهرا ، فحصتني ثم أمرت بتوصيلي بزجاجة السيروم ، وعندما توقفت الآلام توقفت معها حركات الجنين ، مرت ساعة ..ساعتان..ثلاث ساعات ولا حركة واحدة ، ناديت إحدى القابلات وأخبرتها بالأمر أملا في أن تجري لي فحص التصنت على ضربات قلب الجنين ، لكنها قالت بجفاء ( أنا أعرف عملي جيدا ولست بحاجة إلى تعليماتك ) ، ولما استمر سكون جنيني عاودت طلبي ورجائي لكنها تمادت في الرفض ، ثم بعد ذلك أصبحت تتحاشاني وتختفي في أول منعرج يصادفها عندما تراني ، تساءلت عما إذا كانت تسمية ( ملائكة الرحمة ) صحيحة أم أنها مجرد خرافة ، وفي المساء عندما جاءت فرقة المناوبة الليلية أيضا عاودت طلبي :
- أرجوكِ فقط تصنتي على ضربات قلب جنيني فهو لا يتحرك أرجوكِ..
ومع قليل من الإلحاح استجابت إحداهن ، ثم قالت :
- لا أخفي عليك ِ ...تقريبا لا أسمع شيئا ، ولكن لاعليكِ في الصباح تأتي الطبيبة.....
يا إلهي ...هل....أوه لايمكن...ولكن ...ثم ماذا سأقول لزوجي ؟ بل كيف سيتحمل حدثا كهذا؟ ولكن أي حدث؟ كل ما في الأمر أن ...أوه يا إلهي ألطف بنا...
كانت ليلة طويلة ويدي موصولة بزجاجة السيروم ، يداي مزرقتان في أكثر من موضع بسبب وخز الإبر لأنهم اضطروا أكثر من مرة إلى تغيير مكان الوصلة بسبب انفجار الأوعية الدموية ، حتى جربوا الوخز في قدمي ، كنت أقول في سري ( كل هذه الآلام ومازال ألم الوضع ينتظرني ) وكان الهاتف يرن من حين لآخر ليخاطبني زوجي من على بعد عشرات الكيلومترات :
- أرجوكِ هل أنتِ حقا بخير ؟
- طبعا ...وإلا ماكنت لتسمع صوتي الآن ...
- والجنين..بخير أيضا؟
- أجل وينظر وصولك ليخرج إلى الحياة بحضورك..
-و....
وكنت أنتظر الصباح ، لا أكاد أرفع عينيَّ عن النافذة إلاَّ لأراقب الساعة ...
في حوالي العاشرة صباحا جاءت الطبيبة ، انتظرت أن تمر عليَّ حتى نفذ صبري ، وحين جاءت قالت :
- في الحقيقة هذا الوقت من السنة غير مناسب للوضع ، الأطباء يأخذون عطلتهم السنوية لذلك لستِ محظوظة كونك تضعين حملك في أواخر أوت ، حتى جهاز الفحص الإيكوغرافي معطل ، أنا متعاونة فقط مع المستشفى في غياب الطبيب ولا أستطيع فعل شيء لك فقط أستطيع نصحك ، فإذا كنتِ مستعدة لدفع ثمن الفحص الإيكوغرافي ، بإمكانك فعل ذلك خارج المستشفى على حسابك الخاص ، وسأعين قابلة لمرافقتك ....
كنت سأقول لها أشياء كثيرة عن اختيار الوقت المناسب للحمل والوضع لكن إضاعة الوقت لم تكن في مصلحتي ، فاكتفيت بأن أجبتها :
- طبعا أدفع ثمن الفحص ...جنيني لم يتحرك منذ أمس وأكاد أفقد صوابي ..
عندما ركبت سيارة الإسعاف انتابني إحساس غريب ، فلقد تذكرت حلما رأيته في إحدى الليالي السابقة، رأيتُني أصطاد سمكة كبيرة ..كبيرة جدا لكن عيناها حمراوتان ، كانت سمكة ميتة من قبل أن أصطادها ، إذن هي رؤية ، سمكة ميتة أصطدتها من البحر ..المعنى واضح و....قدَّر الله وما شاء فعل ...وعندما تمددت على طاولة البحث ، راح الطبيب يحدث القابلة التي رافقتني بلغة فرنسية حذرة ، كان يكلمها ثم ينظر إليَّ مبتسما ليمنحني الأمان ، ربما اعتقد أنني لا أفهم حديثه المفرنس المحشو بالمصطلحات الطبية البحتة :
- ضربات القلب سلبي ...الحركات العامة سلبي ...الحجم طبيعي ....عدد الأسابيع إثنان وثلاثون ...ال...
إذن ضربات القلب سلبي ... !!
كان قد انتهى من فحصي المطول وأثناء إعداده لتقريره كان لا يزال يتكلم الفرنسية معها ويبتسم لي ، ولكي أوفر عليه مشقة إخباري بأن جنيني قد مات ، قلت له بلغة فرنسية سليمة:
- تعودت أن أكتفي بما ينعم عليَّ به الله ، وألا أسخط على قضائه ، الحمد لله على كل حال ، لكن بودي لو تجيبني عن سؤال واحد ( هل يمكنني وضع جنيني الميت دون عملية قيصرية ؟)
ترك القلم بسرعة والتمعت عيناه وهو يحدق بي ثم قال لي :
- أحييك على شجاعتك سيدتي ، وأنا متأكد أنك ستصبحين يوما أما لقبيلة من البنات والبنين جزاء صبرك هذا ...اطمئني سيدتي بإمكانك وضع الجنين دون عملية ، لا تسمحي للقابلات بإعطائك حقن أو أدوية من أجل الإسقاط إلا بعد مراجعتي فمن يدري ، لعل الجنين لم يمت بعد ، وكل شيء ممكن مع إرادة الله..
إذن طفلي ميت ، عليَّ أن أمنح لنفسي الشجاعة لأن الذي ينتظرني ليس سهلا ، فسبحان الذي يخرج الميت من الحي ... ثم يجب أن تكون لدي الشجاعة الكافية لإعلان الخبر ، بعد قليل يحين موعد الزيارة وسيكون عليَّ إعلامهم ، يارب كن معي وامنحني شجاعة الكلام دون انتحاب .
حان وقت الزيارة ، دخل الأهل والأقارب والمعارف أما زوجي فلم يكن قد وصل بعد من السفر، لم أستطع أثناء التسليم عليهم أن أجيب عن استفساراتهم بغير ( الحمد لله ).. بعد قليل سحبت أمي إلى رواق المستشفى ، مشينا قليلا ثم استجمعت كل ما لديَّ من قوة وقلت لها :
- أمي لقد أجريت فحصا إيكوغرافيا وقد تبيّن أن حملي ذكرا ..نعم طفلي البكر سيكون ولدا ، لكنه سيظل طفلا إلى الأبد ، لن يعيش أكثر مما عاش ...
كنت أعلم كم هي رقيقة أمي ، وكم ستتأثر بالخبر فأضفت بسرعة :
- ليس هذا هو المهم ، المهم حقا هو كيف سيخرج طفلي الميت من بطني دون أن تخرج معه روحي ، لذلك أحتاج إلى كثير من الشجاعة وعليكم جميعا أن تمنحونيها ، أو على الأقل لا تفقدوني القدر القليل الذي استجمعته ، ومنحته لنفسي إيمانا مني بأن الله قادر على كل شيء .
وقبل انتهاء وقت الزيارة جاءت الطبيبة للتخلص مني ، قالت :
- في الحقيقة طبيب المستشفى في عطلة ، وأنا لن آتي في المساء ولا في الغذ ( العطلة الأسبوعية ) ، ومن الأحسن أن تنتقلي إلى مستشفى المدينة المجاورة حيث يحتمل أن تجرى لك عملية قيصرية ، ولكنهم لن يفعلوا قبل السبت ، لذلك أنصحك بقضاء نهاية الأسبوع في البيت ، ثم الذهاب هناك في بداية الأسبوع و إن عاودتك آلام الوضع قبل السبت عودي إلينا ...
سلمتني رسالة توصية ووجدتُني خارج المستشفى أحمل جنينا ميتا ، وأتجه نحو المجهول ، كانت عيون الأهل تفيض صبرا وحنانا ، وتوسلا إلى الله ، وكنت حزينة لأنني لم أستطع إخبار زوجي أن أبوته ستتأجل ، كنت أنتظر حتى يحضر لزيارتي وكان هو يحاول الحصول على إجازة دون جدوى لأنه كان قد أنهى عطلته السنوية منذ أيام ، كنت مستلقية على الجانب الأيسر حسب تعليمات الطبيبة ، وكنت في شبه غيبوبة تتقاسمني آلام المخاض ومرارة الصبر، كان بإمكاني سماع تمتمات أمي " يا إلهي أنقذ ابنتي الصغيرة ..يا الله فرج كربتها وسهل عليها إنك قادر على كل شيء " وكان بإمكاني عندما أفتح عينيّ من حين لآخر أن أرى وجهها الحنون وتلك العبرات الحبيسات بين جفون أذبلها الهم والعمر والرعب مما ينتظرني أنا صغرى بناتها في أول حمل لي ، وكان بإمكاني إعطاؤها بعض الشجاعة " أنا بخير يا أمي وليس بكثير على خالق السموات و الأرض أن يخلص جنينا صغيرا من بين أحشاء أمه ، ثم الحمد لله على كل شيء ...الأمر له في النهاية وهو قادر على كل شيء ..."
في المساء حضر زوجي ، مثعبا كان وحزينا ، لكنه انحنى عليّ في حنان قائلا : " أكون شاكرا لله وسعيدا إذا نجوتِ...أما الطفل فيعوضنا الله عنه خيرا إذا شاء وليس ذلك بعزيز عليه " قال ذلك وجعلني أكتشف أن حنانه قاتل...
أستطيع الآن أن أتذكر كل شيء ..وتتوهج ذاكرتي أكثر لترتسم الأحداث أمام عينيّ حية نابضة ، كانت صرخة واحدة كفيلة بإرعابي أنا التي سأنجب للمرة الأولى و ..طفلا ميتا !! ترى هل يمكن للجسد أن يخرج من الجسد دون أن يسحب معه الروح؟ وكيف لطفل ميت أن يتحرك ويتخذ الوضع الصحيح في بطني ثم يخرج هكذا دون مشاكل ودون أن يقتلني ؟ إن الله قادر على كل شيء ، قادر على تسهيل الأمر فيتم كل شيء دون عناء ، لكنه قادر أيضا أن يقدر لي أي شيء : القيصرية ..الولادة العسيرة..الموت ولم لا ؟ كانت الآلام تشتد وتشتد ...حجم بطني تراجع وتحول حملي إلى كثلة يابسة علي جانبي الأيمن ..في لحظات الإيمان بقضاء الله وقدره تصورت لو أموت : كيف سيكمل زوجي حياته؟ طبعا لن ينتحر بعدي لأن إيمانه بالله أقوى من أن يزعزعه قضاء الله ، سيحزن كثيرا ، سيُصدم بقوة ، ستجلده ذكريات حبنا الطاهر وقد يتحول لمدة أشهر إلى شبه مجنون ، وفي لحظة ما سيقتنع أن الحياة لابد أن تستمر وأن عليه أن يكملها دوني ، سيتزوج امرأة أخرى قد تسعده وتعزيه في فجيعته ، وقد لا تسعده فتجعله يستسلم إلى الأبد لسياط الذكريات فيقضي بقية حياته يجتر مرارة الصبر..أوه يا إلهي كن رحيما به ولا تخذله أبدا فهو عبدٌ صالح...
كان صراخ النسوة رهيبا ، وكنت قد أصبحت عاجزة عن تسجيل ملاحظاتي حول جهلهن الفظيع ، فلقد كنت أشعر أنني أصبحت لا أسير على الأرض ، كانت أمي وأختي تحاولان حملي على المشي حسب تعليمات الطبيبة من أجل استفزاز عملية الوضع ، وكنتُ أنا شبه غائبة عن الوعي ، أجر قدماي الحافيتين ، وعيناي معلقتان بمصابيح السقف ، بدت لي مثل منافذ للأمل وكان النظر إليها يجعلني أتنفس ، كنت أنظر أحيانا إلى الرواق الطويل ، فيبدو لي مثل نفق معتم ، وتبدو الشرفة في نهايته مثل بقعة ضوء رمادي ، وتترائى لي النساء فيه مثل ظلال أو أطياف تتماوج و تترنح ، كأنها أرواح هائمة ، حتى صار يخيَّل إليَّ أنني قد ولجتُ أحد استوديوهات تصوير أفلام الرعب الأسود ، أضجعتني أمي عند انتهاء وقت الزيارة ، فتشبتتُ بيدها ثم قلت لها :
- أمي ...لقد أفطرتُ بضع أيام من شهر رمضان الفائت بسبب غثيان بداية الحمل ...أخشى أن أموت قبل قضاء صيامي ذاك...
فأجابتني بصوت مرتعب :
- يغفر الله للنفساء إذا ماتت ، وتُكتب عنده شهيدة ، فلا تخ...
ثم انخرطت في الإنتحاب ، بينما قلت لها بثقة واطمئنان :
- لا بأس إذن .... آه ....أمي ....هل أنجبتِني بمثل هذه المشقة والألم ؟
أجابت وقد تحول انتحابها إلى أنين :
- طبعا يا ابنتي ، كل الناس الذين ولدوا في العالم تألمت أمهاتهم في وضعهم ...
فرحت أسألها فيما يشبه العتاب :
- كيف استطعتِ إذن التفريط فيّ وتزويجي ؟
ورحت أواصل أنيني بينما الممرضات يطالبن الجميع بالخروج لأن وقت الزيارة انتهى منذ مدة ...، عدت وحدي ، حاولت النهوض فتمايلت الغرفة أمامي وتهاويت على السرير ، تذكرت أنني لم آكل منذ أيام ، حتى الماء لم أعد أقدر على ابتلاعه ، نظرت إلى الطاولة : قارورة زيت الزيتون التي جلبتها لي أمي ، في لحظة واحدة تصورت أن جرعة واحدة منه ستفيدني كثيرا ..نعم..أنا مقبلة على تجربة صعبة وجديدة عليّ وأحتاج إلى طاقة ، ومادمت عاجزة عن تناول الطعام فعليّ بشرب بعض الزيت ، تناولت جرعة..جرعتان ..ثلاثة ..شعرت بالقوة ..انتابني إحساس غريب ، كما لوكنت أتسلح لخوض معركة رهيبة قد أخرج منها جثة باردة أو أخرج منها مولودة من جديد ، هي معركة حياة أو موت ، معركة أخوضها بمفردي ليس معي سوى إرادتي وإيماني بالله ، لا أحد يستطيع مساعدتي ، لا أبي ولا أمي ولا زوجي ولا إخوتي ولا كل أطباء العالم ، عليّ أن أخوضها لوحدي ومعي الله ، أنا بين يديه ولا خوف عليّ إذن ، ولكن لكي تشملني رحمته عليّ أن أتوسله وأرجوه ، نعم إذا لم أتذكره ولو بالدعاء والرجاء فلماذا ينظر إليّ بعين الرحمة ؟ هو القائل " أدعوني أستجب لكم " والدعاء هو أقل ما نقدمه لنحصل على ما نريد ..يجب أن أدعو الله كل ثانية وكل عشر ثانية ..سأستعطفه وأرجوه وأتوسله ولتكن مشيئته في النهاية ..
كان المساء قد أقبل شاحبا وحزينا ، السماء تلبدت بغيوم شفافة تنذر بأول أمطار الخريف ، جاءت القابلة وقالت لي " زوجك وأخوك في الأسفل ...تعالي وانظري من النافذة ..يجلسان تحت شجرة الزيتون وينتظران خلاصك ..سيزورك زوجك من حين لآخر رغم أن الزيارة ليلا ممنوعة...." سألتها:
- هل سأضع حملي هذه الليلة ؟..أقصد هل يدل الفحص على إمكانية حدوث ذلك الليلة؟
أجابت:
-على كل حال ..حالتك خاصة : الطفل ميت ولم تدخلي الشهر التاسع ..هناك احتمالات عديدة ...وفي أسوأ الظروف ستضطر الطبيبة إلى القيصرية..."
يا إلهي ..قيصرية من أجل طفل ميت ؟ ثم لن أستطيع الحمل بعدها لمدة سنتين؟ سأظل أتعطش إلى أمومتي سنتين أو أكثر ..يا إلهي أنت تعلم الجهر وما يخفى...تعلم أنني أتمنى العيش مع زوجي حياة سعيدة وأن أنجب منه أطفالا يملأون الدنيا صخبا ومرحا ، يارب لاأخفي عليك أنني أريد أن أعيش سعيدة ولو عمرا قصيرا ، يارب امنحنِي قوة التحمل والصبر ..يا رب لك وحدك أرفع دعواتي وتوسلي ، إنني لم أسأل إلا وجهك الكريم ولم أنحنِ إلا لك وحدك فلا تخذلنِ يا الله واشملنيِ برحمتك وعافيتك ..يارب
كان المساء قد تحول ليلا ، والغيوم الشفافة قد تحولت زخات مطر ، تصورت حالة أخي و زوجي تحت شجرة الزيتون ، سيصابان بالزكام ..أوه هاهو زوجي يزورني ، ربما سأراه للمرة الأخيرة..يده في يدي ..حنانه يتسرب إليّ عبر أنامل تفيض أبوة وحبا ، كان يمسك بي في قوة منحتني ألف ألف عمر من الصبر..كان صعبا عليّ أن أفتح عينيّ المثعبتين بعد ليال من السهر المطعّم بآلام المخاض وآلام الصبر ، ومع ذلك فتحتهما لأرى وجهه وأكتشف خطورة حالتي ، نعم ..قسماته التي كانت من قبل تمنحني شهية الحياة هاهي الآن جامدة..لكأنه تمثال حجر أراد ناحته أن يجسد فيه كل ملامح الجلَد والصبر و... نعم لكأنه يقول للقدر : خذ كل شيء واترك لنا جرعة الصبر الأخيرة ..شفتان مزمومتان...عينان متحجرتان ..وجبين متصلب ، أمسكت يده بقوة ثم توسلت إلى الله ( يارب إذا كنت سأموت هذه اليلة فليكن الآن ..يا رب..) وبينما أنا كذلك جاءت الممرضة واعتذرت لأنها مضطرة لإنهاء الزيارة ..حاولت ألا أدع يده ، ظللت ممسكة بشدة ..لكن ..يا إلهي لقد ترك لي كلماته الحارقة وخرج :
- أنت شجاعة جدا ..و أنا أعترف لك بذلك و ستتجاوزين هذه المحنة ، سترين كيف سيتحول كل هذا إلى مجرد ذكرى..أنا أنتظرك في الأسفل فلا تجعلي انتظاري يطول ...
مضى زوجي وعدت وحيدة ..قارورة زيت الزيتون تبدولي مثل دواء سحري ، تناولتها وشربت كل محتواها دفعة واحدة ، وقفت ممسكة بطرف السرير ورحت أعض على أسناني في مقاومة لأوجاعي ...يا إلهي خذ بيدي.. يارب...يا إلهي ...كان الألم قد تحول إلى آلة رهيبة تطبق على حوضي و تكسره ، وكنت لا أزال أتوسل : بإمكانك يارب إتيان المستحيل فلا تبخل عليّ برحمتك..رجوتك ولم أرج سواك ودعوتك ولم أذل وجهي لغيرك فكن معيني يارب ...يارب ...وفجأة أحسست أن عينيّ قد انزلقتا من محجريهما وتدليتا على الخدين ، لم أعد أرى وسمعت رفيقتي بالغرفة تصرخ :( يا ممرضات ..يا قابلات إنها تضع مولودها ..أغيثوها...) عندما فتحت عينيّ رأيت السقف يجري فوقي ففهمت أنهم ينقلونني إلى غرفة الولادة ، ولم أعد أشعر بالألم فأدركت أنني قد وضعت طفلي ، إذن وضعته دون قيصرية ، لقد تخلصت من جنيني الميت والحمد لله ..ولد طفلي ميتا ، باردا وصامتا ومع ذلك الحمد لله ..كم تمنيت لو ضممته إلى صدري ولو ضمة واحدة لأنهمر حنانا وأمومة ، لو لمست أنامله الرقيقة ولو..لمسة واحده....آآه إنه طفلي الأول الذي كنت سأفجر معه كل شوق الأمومة وأحلامها ..ومع ذلك الحمد لله لقد منحني ما طلبته تماما : الولادة الطبيعية ، ولكن ترى كيف هو طفلي؟ سألت القابلة : هل طفلي سليم؟ أقصد هل هو طفل طبيعي ؟ أجابت فيما يشبه العزاء : نعم طفل طبيعي تماما ....ولكنه ....
تمنيت لو أرى وجهه ..لو...لو...
في خلال دقائق أنتهى كل شيء ، وضعوني في سريري وكانت أسناني تصطك والبرد يلبسني رغم حرارة التاسع و العشرين من أوت ، طلبت أغطية ثم نمت كما لو أني لم أنم أبدا ، كنت أشعر أنني أنام في الجنة ، يا إلهي أهكذا هو طعم الراحة ؟ لم أشعر به منذ أشهر ، فتحتُ عينيَّ على صوت زوجي يهنؤني على السلامة ، ثم أغمضتهما لأنام ، وأنا أهمس لنفسي :
حسنا... لقد أصبحت أما لطفل ميت..طفل شاء له الله أن يظل طفلا في ذاكرتي إلى الأبد ..ومع ذلك الحمد لله : أصبحت أما ..